«جثة» وهران التي رأها محمد بن زيان
سعيد خطيبي
وهران تبدو كما لو أنها مدينة خرجت للتو من حرب. منهكة وممزقة. مدينة غائبة أو مُغيبة، مُنحازة إلى عزلتها، إلى كآبتها، متخفية عن الحب وعن أحبابها. وهران لم تعد بتلك الحيوية التي نجدها في كتابات ألبير كامو، وليس بفرح أغنيات الراي. لقد مر زمن صادم، غير وجه المدينة، شوهها، حرف قدرها، ونزع عنها صفتها الكوزموبوليتية.
هذه المدينة، التي تختزن جزءاً مهماً من تاريخ البلد الثقافي، لم تختر أن تكون ما هي عليه الآن، بل فرضت عليها التحولات عنوة، باتت مدينة يسطع فيها الموت: موت التاريخ والمعمار والأمكنة التي كانت تبث فيها نبضاً. وهران الجديدة، المنسلخة عن ماضيها، المفصولة عن حاضرها أيضاً، تبدو أشبه ﺑ»جثة»، أو بقايا مدينة، يحكي عنها محمد بن زيان، في نص رثائي، في كتاب «حرائق قلب»(دار الوطن اليوم، الجزائر 2017).
«ضجيج النهار يزيدني إرهاقاً وصمت الليل يُضاعف الكآبة» هكذا يكتب محمد بن زيان (1965)، الوهراني الذي لم يُشف من استعادة رفاة المدينة، ومحاولات نفخ الروح فيها. يخصص الكاتب فصلاً لامرأة، امرأة ملعونة، كان الجميع يحبونها ويكرهونها في آن، كانوا ربما يغارون منها، أو يحقدون عليها، ومن ثورتها الصامتة، هذه المرأة لم تكن وهرانية، لقد جاءت من الضواحي البعيدة، لكنها عاشت في وهران وتحولت، مع الوقت إلى رمز تائه من رموز المدينة: هي الشيخة الجنية (اسمها الحقيقي فاطنة مباركي). الشيخة الجنية (1954- 2004) لم تكن فقط مغنية راي، ولا مجرد امرأة رافضة للعادات الذكورية، التي وُلدت فيها، لقد كانت نسوية من نسويات الصف الأول، كانت «مُناضلة» وطنية، تغني لتنتقم من خيباتها ومن قبيلتها التي حاولت «وأدها» صغيرة. يكتب محمد بن زيان مديحاً واحداً، وسط نصوص رثاء. مديح وحيد جاء في حق امرأة، في استعادة مغنية وُلدت في عام انطلاق ثورة الجزائر، عام طلقة الرصاص الأولى، لتطلق هي بنفسها ـ لاحقاً ـ طلقتها الشخصية، وتشعل حرائق في النفوس، لقد كانت الشيخة الجنية مشروعاً صادقاً للتحرر النسوي في الجزائر، مشروعا لم يكتمل، لم تمتهن الغناء ـ مثل آخريات ـ من أجل المتعة أو التسلية، أو من أجل كسب المال، بل جعلت منه مركباً لاختراق غشاء الذكورية السميك، الذي يطوق جثة المدينة ومعها البلد كله. الشيخة الجنية قادت حربها ضد المجتمع الذي خرجت منه، نجحت في معارك لها وخسرت في أخرى، وعادت ـ بعد موتها التراجيدي ـ في كتاب «حرائق قلب» ليسمع منها القارئ كلمات حميمة، لم تتلفظ بها في أغانيها. «الجنية صرخة الجرح ومواجهة الذي لم يعد له ما يخسره» يضيف محمد بن زيان.
حياة الشيخة الجنية تشبه تاريخ وهران المعاصر، الذي يميزه التيه والتشرد، لكن الجنية تختلف عن وهران في نقطة أساسية بأنها استمسكت بحبل العصيان، ولم تتخلى عنه، على عكس وهران التي قبلت أن تُنتهك حرمتها، أن يُداس تعددها، وتتماهى بذلك مع أغنية أحمد وهبي الشهيرة: «وهران رُحْت خسارة».. وهران ضاعت، وضيعت من أحبها معها. حين تراجع حضور وهران الثقافي ارتفع صوت الشيخة الجنية، في قعدات الراي، التي كانت تستمر من بعد صلاة العشاء إلى آذان الفجر، كما لو أن المدينة كان تخفي سوءتها خلف صوت المغنية، وتدك رأسها في التراب كي لا تشوش على الآخرين الاستماع للشيخة، ولصوتها المبحوح، وهي تُرافع من أجل حرية قريناتها، وتُدافع عنهن وعن حقهن في التحرر من الذكورية المتمددة في البلد، شرقاً وغرباً.
محمد بن زيان يستحضر بعضاَ من الأمكنة الشهيرة في وهران: سيدي الهواري، ساحة ستالينغراد وحديقة الجمهورية، أمكنة أثثت ذاكرة المدينة، لكنها بدأت تمحى من الوجود، فقد مر زمن قاسٍ على المدينة، لم يمهلها وقتاً لتتهيأ له، زمن أباطرة الخوف، الذين شوهوا التاريخ والمكان، وحرّفوا ذاكرة وهران، من مدينة كوزموبوليتية، يتعايش فيها يهود ونصارى ومسلمون ولا دينيون، إلى مدينة بلون واحد، ترفع راية خضراء، وتتعسف في تعاملها مع الخيارات والإثنيات والديانات الأخرى. «الذاكرة مأساوية والراهن مفجع والآتي مُرعب. إنني مسكون بالخوف، وصلت إلى الضياع. أريد أن أتقيأ نفسي، أريد النسيان. أريد ما أصبح يبدو مستحيلاً» يكتب بن زيان. كوابيس الكاتب، التي تكثفت وصارت تسجنه ليست وليدة الراهن، إنها نتاج تراكمات من سنوات المرارة، ومن تكرار الخسارات، خصوصاً خسارات الأفراد، ورحيل عدد كبير من مثقفي المدينة، بين من هاجر ومن سقط سنوات الإرهاب. محمد بن زيان لا ينسى ذكرى صديقه المفكر بختي بن عودة، الذي مات مغدوراً برصاص الأصوليين، ولا شلة الأصدقاء الصعاليك، الذي تفرقوا بين الكتابة والصحافة، ونسوا ليالي الأنس والضياع في حانات المدينة وأرصفتها. الكاتب يتذكر أقدار أنبياء الله، يونس ويوسف وأيوب، ويقتبس من القرآن، ليداوي قليلاً من تمزقات الجسد الوهراني، يذكر مدينته بقصص قرآنية، لمواساتها. يحرضها على سماع صوتها القديم لكنها تتمنع وتواصل احتضارها.
محمد بن زيان لا يتضامن مع مدينته، بل يحملها أحياناً وزر ما وصلت إليها، يعتقد أنها هي من اختارت المنحدر، هي نفسها من فضلت الانتحار، مثلما انتحر كتاب أحبهم بن زيان: ماياكوفسكي، فرجينيا وولف، همنغواي وغيرهم. فارقت المدينة كتابها ومشرديها، لم ترأف بهم، لم يتسع قلبها لضجيجهم ولخصوماتهم، تحولت، في غفلة منهم، إلى مسخ، إلى تاريخ مجرد من شواهده، فمحمد بن زيان لا يجنح لمقدمات مملة، ولا لتمهيدات مطولة، يشرع، من البداية، في وصف حال المدينة، وهران المنتقمة من نفسها، التي قايضت الحسن بالقبح، يضع القارئ مباشرة في تماس مع نصه، ومع ما يود الذهاب إليه، في هذا النص/القصيدة في مديح العزلة، وفي رثاء وهران، مدينة الأجداد، التي نفضت الأحفاد من حجرها، مدينة فتحت يديها للبحر، واستقبلت كل الوافدين إليها، من أندلسيين وإسبان، من مغاربة، ومن جنوبيين، أسكنتهم في بيوتها، وعلمتهم الموسيقى والأدب وفن العيش، قبل أن تنتفض وتتخلص منهم، تدير ظهرها لهم اليوم، وتبعثهم في الأرض يتامى، مشردين من رحيل إلى آخر: «هو الرحيل والمزيد من التشرد والتيه إلى حيث لم تبق لا شاردة ولا واردة، هو الرحيل إلى حيث لا طريق ولا رفيق، إلى حيث لا سماء للتحليق ولا أرض للحفر ولا بحر للغوص» يضيف محمد بن زيان.
٭ كاتب جزائري
