في الرواية الأولء لبهجت النادي وعادل رفعت: «تحدي الآلهة»: عالم سجناء الرأي من عبد الناصر حتى اليوم

شبكة وهج نيوز : بانتهاء حرب طروادة، لم تعد وجهة أوليس سوى وطنه. وإن كان لم يلقه إلا بعد سنين عشر، ليس لأنه رغب خلالها في اللهو في بحر إيجه من جزيرة إلى أخرى، بل لأنه مطارد بفعل لعنة صُبّت عليه. تذكّر أنه فقأ العين الوحيدة للسيكلوب، ابن إله البحر بوزيدون، فهبّ أبوه لينتقم له. ووسيلة الانتقام بالتحديد هي الحيلولة دون رجوع أوليس إلى إيثاكا.. الحيلولة بينه وبين بينيلوبي. ما مغامرات أوليس إلا مِحن. إنها شدائد مرعبة يلقاها في طريق عودته. إينما يبغي هو بلوغ وطنه» (تحدي الآلهة).
محمود حسين هو الاسم المستعار المشترك لكل من المصريين بهجت النادي وعادل رفعت. اللذين اعتادا هذا الاسم منذ وصولهما فرنسا، وتأليف كتابهما الأول المشترك «الصراع الطبقي في مصر»، المكتوب والمنشور بالفرنسية. وتتابعت مؤلفاتهما بالاسم المستعار نفسه (محمود حسين) ومعظمها مؤلفات بحثية اجتماعية، من أشهرها «نبي الإسلام على لسان صحابته» عام 2005. وفي العام الفائت 2016 أصدرا روايتهما الأولى «تحدي الآلهة» عن دار غاليمار العريقة. هذه الرواية التي ترجمها مؤخراً الباحث والمترجم المصري أحمد علي بدوي، الصادرة عن دار الجديد البيروتية. وقد أقيمت ندوة قدمّها مترجم الرواية، عن عالمها وشخصية مؤلفيها، ودلالة تأليفها اليوم، باعتبارهما أول عمل روائي منشور لهما، بخلاف عدة أعمال أدبية كتباها وقت السجن، بدون نشرها. ولراهنية اللحظة الحالية جاء الراوي في النص مجهول الاسم، فكل من الكاتبين تعمدا اختيار راوٍ بدون اسم، معتقل سجين رأي، فالبطل هو سجين الرأي بالأمس واليوم.

المرحلة التاريخية ودلالتها

أشار بدوي بداية إلى مرحلة ما بعد يوليو/تموز 1952، التي تعد كما قال مرحلة موسومة ببروز جمال عبد الناصر وتصدره المشهد، واستتباب زعامته، حتى أن تلك المرحلة ما بين 1952 و1970 سميت بالنظام الناصري أو التجربة الناصرية. والرواية تتعرض للمرحلة التي اعتُقل فيها مثقفو اليسار المصري، وهي المرحلة الأضيق في المرحلة الناصرية، والممتدة بين عامي 1959 وحتى عام 1964. وسميت بـ»حملة الاعتقالات الكبرى»، وهي مرحلة موصومة، لما كان بها من اعتقال للتقدميين المصريين وتعذيبهم في المعتقلات. هذه الوصمة التي استقرت في وعي وضمير كل مصري، بمعنى أنها تترسخ في الوعي وتثقل الضمير. فكل من يقرأ تاريخ مصر المعاصر يستشعر هذه الوصمة، فالشعور بالخزي لا يقتصر على جيل أو جيلين، ولكن من خلال المنهج الجدلي يمكن رصد ظواهر تلك المرحلة إيجاباً أو سلباً، وتأثير كل منهما في الآخر. من ناحية أخرى، كانت المنظمات والحركات الشيوعية لها مواقف ووجهة نظر مختلفة باختلاف مواقعها من عبد الناصر، فمنهم مَن يراه ممثلاً للإمبريالية العالمية، ولا يعدو كونه سوى ديكتاتور فاشي، والبعض يراه رمزاً للحركة الوطنية وتجسيداً لها، والوجهة الأخيرة تراه صاحب فكر تقدمي، لكن أصوله العسكرية تعوق فكرة الديمقراطية، وأنها مسألة وقت.

أوليس وعالمه

ويضيف أحمد علي بدوي إلى محاولة خلق حالة من التماهي بين الخاص والعام، فتتمثل تعاسة البطل وسعادته من خلال حكاية حب، وهنا تبدو حياته الشخصية وقراراته في حالة جدلية مستمرة. كحال ما بين الذاتي والعام. ومن هنا كان التأثر بحال «أوليس» ورحلته الطويلة، والتناقض ما بين غرامياته ومدى حبه لبينلوبي، هنا يبدو نضال أوليس ومجابهته للآلهة، وهو المطارد دوماً بفعل اللعنة. من هذه الوجهة يتحد مصير وقِبله رحلة بطل الرواية وأوليس بطل الأسطورة، كذلك كل من (نادية) حبيبة الراوي، وبينلوبي، الجالسة تنتظر عودة أوليس. الرحلة التي تنتهي بحالة الوعي، والوعي هو محاولة تغيير وإصلاح الفرد في البداية، وهو الجهاد الأكبر، دونما انفصام ما بين مؤلفي الرواية وبطلها.
من ناحية أخرى تتعرض الرواية للعديد من الشخصيات الحقيقية، التي كان لها أكبر الأثر على المؤلف، أبرزهما لويس عوض، وإبراهيم فتحي، فالأول هو الذي كشف بعض الحقائق أمام البطل وأضاء بصيرته. ومن هنا كان الأساس النضالي هو رفض العنف الثوري، وهو أحد مظاهر اعتناق الماركسية، دون المطالبة بالعنف، استنكار العنف الثوري هذا ما أكده ماركس في مرحلة نضجه. وفي الأخير يجد البطل ضالته، مستشهداً بمحاكاة الموقف نفسه الذي تعرّض له «شهدي عطية الشافعي»، وفقد حياته بسببه .. «قُل أنا امرأة، قُل أنا امرأة. مزقني الألم، لكن لم يعد يُعميني، أضحيت مسيطراً عليه بفضل تمسكي التام بالثبات على قدميّ حين تهوي الضربة التالية. إنبغَى أن أؤكد لهم أنه ما عاد في مقدورهم أن يمسّوني بأي ضُر. قال لي الضابط شيئاً ما. جاء صوته من بعيد. كدتُ لا أسمعه. لم أعد أعلق أهمية. حضرت نادية. لم يبق لسواها حضور. لقد عدتُ إلى مرفئي. عاودتُ ملاقاة شجرتنا. صرتُ منيعاً». (تحدي الآلهة).

ماركسية «ماو»

ومن مداخلات الحضور جاءت كلمة الكاتب والمترجم بشير السباعي، الذي أضاء بعض التفاصيل عن حياة وفكر كل من المؤلفين.. بداية من تأثرهما بماركسية ماو تسي تونغ، وقد جسد كل من الكاتبين فكرة النزاع ما بين موسكو وبكين، وقد حسما هذا النزاع ــ نظراً لوجودهما واستقرارهما في فرنسا ــ لصالح الماركسية الماوية، شاركهم في ذلك المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين، حتى أنه أهداهما بحثه المعنون بـ»الاقتصاد المصري»، ليصبح أحد فصول كتابهما الأول المنشور في باريس، والذي جاء بعنوان.. «الصراع الطبقي في مصر».

عادل وبهجت

إيدي ليفي هو الاسم الأصلي لعادل رفعت، من مواليد القاهرة سنة 1938 لعائلة يهودية غادرت مصر عقب حرب السويس في سنة 1956، رفض ليفي المغادرة وأصرّ على البقاء في القاهرة، ثم لم يلبث أن أعلن اعتناقه الإسلام، حتى التقى بهجت النادي، وهو طالب يساري في كلية الطب ينتمي إلى عائلة بورجوازية مسلمة. ومنذ ذلك اللقاء وهما معاً في مصر وفي السجن وفي فرنسا، يكتبان معاً ويوقعان باسم محمود حسين. سُجن رفعت والنادي معاً في عهد جمال عبد الناصر بتهمة الشيوعية. وعندما أفرج عنهما عام 1964 غادرا إلى بكين، ثم إلى فرنسا، التي استقرا فيها حتى الآن.

رواية «تحدي الآلهة» تأليف محمود حسين (بهجت النادي وعادل رفعت)، ترجمة أحمد علي بدوي. دار الجديد للنشر والتوزيع ـ بيروت 2017. 155 صفحة

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا