المسكوت عنه في خطاب الدراسات النسوية التاريخية

مساعد العنزي

 

تتركز الدراسات النسوية على إبراز دور المرأة في تاريخ وثقافة المجتمعات والتي تم إخفاء دورها والسكوت عنه من قبل الدراسات التاريخية، كما يقول المناصرون لهذه الدراسات. تهدف هذه المقالة إلى الرد على مبالغة بعض النسويات في لوي أعناقالنصوص التاريخية ورغبتهن الملحة في إعادة قراءة التاريخ بصورة مغلوطة بهدف ربط النظريات الحديثة بالشخصيات النسائية التاريخية رغم عدم موافقة بعض التفاصيل لهذه الشخصيات والأحداث التاريخية. يجب التأكيد في هذا المقام أن المرأة فيأغلب المجتمعات قد قمعت كما قمع الكثير من الرجال على حد سواء مع تأكيد الاختلاف في طبيعة هذا القمع، وكان هذا بسبب سوء الفهم العالمي لطبيعة دور المرأة، وعندما تغير هذا الفهم العالمي تغير كذلك عندنا في الوطن العربي.
تتعددأسباب بروز هذه الدراسات ، منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم، في رغبة الباحثين إلى إعطاء المرأة دورا أكبر في الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية وحتى الدينيه. فالمرأة من وجهة نظرهم قد ظُلِمت وأنتهك حقها في ممارسةأدوارها كالرجال في المجتمعات. وبالتالي فإن التركيز على هذه الدراسات سوف يساهم في إعطاء المرأة دورا أكبر في مجتمعها، وهو ما يظنه الكثيرون من مؤيدي هذه الدراسات، مع عدم الأخذ بعين الإعتبار وجود الفوارق السياسيه والمجتمعيه وحتىالدينيه بين كافة المجتمعات. فالمجتمعات العربية قد حدثت بها تغيرات اجتماعية ملحوظة بشكل كبير منذ الحرب العالمية الثانية وهذه التغيرات مستمرة إلى يومنا مع اختلاف هذه التغيرات عما يجري في البلاد الغربية مع وضع بالفوارق واالاختلافات آنفةالذكر بعين الاعتبار.
في التاريخ الإسلامي، لم تتصد النساء للتأليف والإنتاج الثقافي إلا في نطاق ضيق لأسباب عدة، لا يمكن أن نختزلها في رغبة الرجال من المؤرخين والمصنفين إلى تهميشها. فدور المرأة عبر التاريخ كان مركزاً في إدارة شؤون المنزل والاهتمام بتربيةالأبناء مع وجود حالات نسائية قامت بأدوار على المستوى السياسي والديني الثقافي ، وهو ما أكدته ودونته كتب التاريخ. ففي التاريخ الإسلامي كان للنساء دور على المستوى السياسي والديني والاجتماعي وإن كان من وراء الكواليس. فنذكر على سبيلالمثال لا الحصر ، في تاريخ ما قبل العصر الإسلامي تبوأت المرأة العربيه مناصبا سياسية وإن كان في نطاق ضيق من أمثال الملكة الزباء ملكة تدمر العربيه . وفي العصر الاسلامي كان لأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر دور ديني مهم من خلال روايةالحديث وايضا سياسي مؤثر في أحداث الفتنة بين المسلمين ، زمن فترة حكم الإمام علي( 35 هـ -41 هـ/ 661 ـ 656 ميلادي). كما دوّن التاريخ أسماء الكثير من النساء من أمثال الخيزران زوجة الخليفه العباسي المهدي وزبيدة زوجة هارون، وكذلك ستالملك أخت الحاكم بأمر الله العباسي وشجرة الدر التي حكمت فعلياً في بداية العصر المملوكي. كما كان للنساء دور أكبر في الشعر والأدب والعلوم الإنسانية ولهن مساهمات اجتماعية كانت تمس احتياجات العامة من المجتمع، أمثال فاطمة الفهريه التيمولت بناء جامع القرويين في فاس والذي أصبح فيما بعد بمثابة جامعة إسلامية . وفي مجال العلوم ، على سبيل المثال لا الحصر ، العالمة الفلكيه فاطمة المجريطية في الأندلس والتي لها الكثير من المساهمات العلمية، كذلك زينب بنت عباس البغداديهالتي كانت من علماء الدين في عصرها. ولا يسعنا في هذه المقال المجال لذكر الكثير من الأسماء ، فمن أراد الإستزادة، فليرجع إلى المصنفات الإسلامية التي دونت سير علماء المسلمين. فلو تصفحنا مصنفات كتّاب التراجم من أمثال الذهبي (ت 748 هـ/134 8 ميلادي) وابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ / 1449 ميلادي) والحافظ السخاوي(902هـ / 1497 ميلادي)، لوجدنا أسماء كثيرة من النساء يملأن جوانب هذه المصنفات. فقد خصص السخاوي مجلداً كاملاً للنساء في مصنفه الشهير «الضوءاللامع»، كذلك ابن حجر قد ذكر الكثير من تراجم النساء في مصنفه «الدرر الكامنه».
وجود اهتمام كبير للدراسات النسوية في الغرب واطلاع المختصين عليها دون التركيز أو البحث المكثف عن أسباب تقصير المرأة في الجانب السياسي والثقافي بالمقارنة مع الرجال يعود لعدة أسباب. من ضمن هذه الأسباب أن من وضع أساسا لهذهالنظريات وادعى أن دور المرأة قد تم إخفاؤه في التاريخ الإسلامي هم باحثون أجانب لا يعبرون عن ثقافة وتاريخ مجتمعاتنا الإسلامية العربية، وقد يكون الكثير منهم من المستشرقين الذين ينظرون إلى تاريخ الإسلام بشيء من الريبة والتشكيك. فهذهالدراسات تظهرهم بمظهر المدافع عن المرأة المسلمة ودورها ، ولكن في باطن الأمر هو هجوم على تاريخ المسلمين. الأدهى والأمر من هذا، هو تبني الكثير مع الأسف من مدعي الدفاع عن المرأة للنظريات الغربية التي لا تعبر ولا تعكس الواقعالمجتمعي والتاريخي للمجتمعات الإسلامية العربية، وإنما تعبر عن واقع المجتمعات الغربية، فهم ينظرون إلينا والى تاريخنا كمسلمين من منظورهم الخاص الإستعماري والإستشراقي. مع هذا لا يمكن لنا التعميم على جميع الدارسين لتاريخ المرأة المسلمةبأنهم استشراقيين ، ولكن لا يمكننا أخذهم كحجة علينا في فهم تاريخنا، ولكن يمكننا الاستفادة من نظرياتهم في دراسة وتحليل التاريخ والدراسات الأدبية والاجتماعيه والثقافية.
هناك عدة أصناف لدراسي لدراسات المرأة في الوطن العربي أو ما يسمونهم النسويين من مختصين أو منظمين لفعاليات اجتماعية وثقافية، وخاصة النساء منهم. أول صنف من هؤلاء الدارسين للمرأة يعبرون عن حالة من الإحتقان والظلم التي تشعر بهاالنساء نتيجة السيطرة الذكورية ،كما يدعون، وإنهن يريدن مساواة أنفسهن بالرجال في كل شيء حتى في أمور شرعية مثل الإرث والحجاب الذي يشكل إشكالية كبيرة للكثير منهم. والصنف الثاني هم من الذين يرجعون في أصولهم إلى المجتمعاتالعربية والإسلامية لكنهم تأثروا تأثراً كبيراً بثقافة الغرب و وجدوا في الحياة الغربية متنفسا لهم عن أوضاعهم المضطربه في محيط أسرهم. والصنف الثالث من وجهة نظري والأخطر والأكثر ضرراً على المرأة هم من يكون همهم فقط البروز والظهورالإعلامي من خلال الحديث عن مواضيع تثير حساسية المجتمع مثل مسألة الحجاب وأن الحجاب طارئ عل المجتمعات الإسلاميه وأن المسلمات ليس عليهن الحجاب، وإن دلّ هذا على شيء فإنه يدل على سطحية وخواء فكري وحب إبراز أنفسهم عندالمجتمع بوصفهم مفكرين قد اكتشفوا مالم يكتشفه أحد من قبلهم. كذلك ارتباطهم بالسلطة يجعلهم لا يستطيعون التحدث خارج صندوق السلطة الذي يجعل لهم سقفا محددا ومواضيعا معينة لا يستطيعون الخروج عنها ، ويقدمون للمجتمع بأنهن منافحيين عنحقوق المرأة. فالخوف ليس من أصحاب الثقافه الدنيا ولا أصحاب الثقافة العليا، بل الخوف من أصحاب الثقافه الوسطى الذي يحسبون أنهم قد وصلوا إلى كل شيء في العلم والتفكير والتحليل المنطقي للظواهر الاجتماعية والتاريخية.
في الحقيقة، إنه إن كان هناك سكوت عن دور المرأة في التاريخ والثقافة الإسلامية ( مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لم يكن سكوت أو إقصاء متعمد بقدر ما كان واقعا اجتماعيا كان فيه للمرأة دور آخر أهم في منزلها من خلال تربية النشء) فقد تم السكوت أيضاً عن أدوار كثير من الرجال لأسباب سياسية ودينيه وثقافيه وهو ما فطن له الكثير من الباحثين والمختصين من المؤرخين والمفكرين المعاصرين. وإن تم ذكر هذه الأسماء في كتب التاريخ والتراجم فقد تم التطرق إليها بإعتبارها أسماء لخارجين عنالقانون العام للدولة، وبالتالي تم تشويه صورتهم وتجاهلهم وإن تم ذكرهم فيتم باعتبارهم خارجين عن الإسلام.
لا يمكن إنكار أهمية الدراسات النسوية لكن ليست الدراسات النسوية التي تريد أن تحول المرأة إلى أداة من خلالها يتم تغيير واقع المجتمعات بما يخالف طبيعتها وواقعها الإجتماعي والديني والثقافي والأخلاقي. فمن خلال حديثي مع إحدى الأكاديمياتالبارزات على المستوى الأدبي في الوطن العربي ، انتقدت التسطيح الذي يقوم به الكثير ممن يدعون الدفاع عن حقوق النساء لكونها مظلومه تاريخياً، بأن هؤلاء بطريقه أو بأخرى مؤيدين «لتسليع المرأة»، كما هو الحال في الغرب. فلا نرى أحد منهؤلاء النسويات ينتقدن استغلال المرأة في الجوانب اللأخلاقيه في الإعلام على سبيل المثال ، لأنهن ببساطة لا يرون أن استغلال المرأة في الإعلام هو إنتقاص من شأنها وتقليل من قيمتها . على الرغم من أن الكثير منهم قد عاشوا في الغرب ويفترضمنهم التعرف على واقع المرأة الغربية من خلال كونها هي ذاتها منتهكه في حقوقها. إلا أنهم لا يلتفتون إلى مثل هذه المواضيع إما تعمداً أو جهلاً، والأخيرة قد تكون هي الأصح.

٭ كاتب وأكاديمي كويتي

قد يعجبك ايضا