أمين الزاوي… في البحث عن الحرية المفقودة

سعيد خطيبي

 

قبل عشرين عاماً من الآن، كان صدور كتاب أدبي في الجزائر حدثاً. يشغل كلام الناس والصحف أشهراً، أن تظهر رواية أو مجموعة شعرية آنذاك فالأمر يُشبه بيضة ديك، وليس السبب نقص في الكتاب أو فقر في الإبداع، بل لأن عجلة النشر كانت شبه مشلولة. فحركة النشر في البلد تتماهى مع وجه السياسة العامة، بدأت برأس واحدة، ثم هزلت، وفي مرحلة أخرى تعددت وتكاثرت، من دون أن تحقق استقلاليتها، بل بقيت مُتصلة بمزاجات السياسي، وريبته من الكتابة ومن الكتاب، وبفورة رجال الدين وتوجسهم من الاختلاف.
بُعيد الاستقلال، راحت الدولة الناشئة تسترد وتؤمم المؤسسات والشركات الاقتصادية، وتُعيد تأهيلها، لكنها لم تفكر في شركة للكتاب سوى بعد مُضي سنوات، ولم تُعلن عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، سوى عام 1966، وهذا التأخر في النظر يُبين عدم أولوية الكتاب في حساباتها. أسندت لهذه الشركة سوق الكتاب بأكمله، وباللغتين العربية والفرنسية (مع إهمال الأمازيغية)، وتدافعت الإصدارات، التي تمر على عيني رقيب، لا يُهادن، قبل أن تصل إلى المطبعة، مع شروط نشر لم تتعلق بأهمية النص وجودته، بل في مدى مُطابقته للخط العام الذي تبناه الحزب الحاكم وقتها، في مدح الرئيس والحزب ومُغازلة قيم الاشتراكية، هكذا أصدرت تلك الشركة آلاف العناوين، التي طمرها النسيان، مع الوقت، ولم ينج منها سوى القليل، والقليل جداً.

إصلاحات صورية

بدءاً من 1983، مع السنوات الأولى لوصول الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي سارع إلى إصلاحات صورية، لمحو بقايا سابقه هواري بومدين، تغير اسم الشركة إلى المؤسسة الوطنية للكتاب، ولم تتغير أساليب تعاملها مع الإبداع، ظلت منشوراتها تُشبه البيانات السياسية، تحرسها عيون يقظة، تُحاصر الأصوات التي تُسائل حصاد سنوات الاستقلال. لكن مع نهاية الثمانينيات، دخلت الجزائر تحولاً مُباغتاً، لم تتهيأ له، بدأ سوق الدولة في التراجع، فقدت الاشتراكية بريقها، وكان من الطبيعي أن تتدحرج مؤسسة الكتاب إلى الخلف، وفي ظل ذلك الفراغ، ظهرت، لأول مرة، دور نشر مُستقلة، لم تُقاوم كثيراً واضمحلت، ثم دخل الكتاب أسوأ عشرية له، إلى غاية نهاية التسعينيات، حيث بدأ الجيل الثاني من دور النشر المستقلة يطل برأسه، أسسها شباب آنذاك وتمكنوا من الاستمرار، على الرغم من البيروقراطية، وشح الدعم، من دون أن ننسى أن التشريع الجزائري يُضيق على دور النشر الحصول على دعم خارجي. بعض دور النشر هذه، تُعد على أصابع اليد الواحدة، هي ما يحفظ ماء الوجه، لحد الساعة، ثم مع بداية الألفية الجديدة، والتصاعد الرهيب لسعر برميل البترول، دخلت الجزائر عهداً من الرخاء، ميزه ظهور بارونات اقتصاد جدد، ورجال أعمال، بعض منهم اتهم بالفساد، في وقت لاحق، ووجدوا أنفسهم خلف القبضان، ونالت الثقافة نزراً من الريع، كي تُشارك في تلميع صورة الرئيس، وجاءت تظاهرة «الجزائر، عاصمة الثقافة العربية» 2007، التي رافقها ظهور عشرات من دور النشر الموسمية، التي استفادت من دعم حكومي، ثم اختفت بمجرد نهاية التظاهرة، كما فتح صندوق دعم الإبداع ذراعيه للتجار الصغار، وأُطلقت مبادرات، تميل إلى تمييع الكتاب، وليست خدمة له، منها مبادرة «ألف كتاب»، التي دعت إليها وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، ووجدت نفسها تُسابق الزمن، لطبع ألف عنوان (منها إعادة نشر لكتب قديمة)، تكدست في الأقبية، ولم تصل إلى القارئ.
انتهت عاصمة الثقافة العربية الأولى، وجاءت عاصمة الثقافة الثانية في قسنطينة، 2015، وتكررت العملية ذاتها؛ دور نشر مجهرية تستفيد من دعم سخي، لكن لا أثر لمنشوراتها، في الواقع. وفي العامين الأخيرين، برز ما يُمكن أن نُسميه «مُقاولات الكتاب»، وهي مؤسسات مصغرة بسجل تجاري يُشير إلى أنها دور نشر، ولكنها لا تنشر إلا على حساب الكتاب أنفسهم، وتفرض عليهم تكاليف ثقيلة، ولكن مع التصحر الحاصل، لم يجد هؤلاء الشباب والمراهقون، الواصلون حديثاً للكتابة، والراغبون في الشهرة الزائفة، من بديل، وتكاثرت هذه المقاولات، التي تصدر كتباً، وتقبض مالاً، من دون أن تُراجعها أو تدققها. ولكن، هناك جانب مُضيء في العملية، فهي تسمح لكثير من الشباب بالخروج إلى النور، أو ما يعتقدون أنه كذلك، تحررهم من كبت ما، فإغراق السوق بكتب لا تصلح للنشر هو أيضاً جزء من النشر، والفرز ـ لاحقاً ـ سيكون من مهام النقد والقراء أنفسهم. بالتالي لم يعد هناك مشكل اسمه النشر، فمن يدفع ينشر، ولا ينتظر خدمة من المؤسسة العمومية الوحيدة المتبقية: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، التي ما تزال تسير بخطة عمل، مهربة من سنوات الاشتراكية. وبتنا كل سنة نُصادف المئات من الكتب الأدبية الجديدة، بل إننا ـ تقريباً ـ كل يوم نسمع، من مواقع التواصل الاجتماعي، خبر صدور كتاب جديد. أمام هذا التسونامي من الورق، لماذا لا تستوقفنا إصدارات مهمة؟ لماذا تعم الوفرة وتقل الجودة؟

أزمة أخرى

بعد تجاوز أزمة النشر، يتحمل الأدب الجزائري، اليوم، أزمة أخرى، وهي ليست طارئة، بل أتت من تبعات حكم الحزب الواحد، الذي لم يتعدد، سوى في عقول المناوئين له، ومن تغول الدين على حساب المنطق، المشكلة هي انحسار الحرية، أو بالأحرى محوها في بعض الحالات. فالكتابة في الجزائر ما تزال مرصوصة بين جدران من الممنوعات، فقد ازداد الجزائري بطشاً بمن ينتقده أو ينتقد ماضيه، يُصارع من أجل أخلقة المجتمع، وكل أخلقة إنما تهدد، في طريقها، الكتابة، التي تقلصت نافذة تهويتها، وصار الكاتب ضحية لميليشيا الأخلاق، التي تمنع عنه التفكير خارج الأطر المتفق عليها.
وما حصل مع الروائي أمين الزاوي (1956)، في الأيام الأخيرة، يُثبت مرة أخرى أن الحرية هي الحلقة المفقودة في علاقة الجزائريين، في ما بينهم، وتغييبها كان سبباً في بقاء أدب البلد في جحره، وعدم تقدمه خطوة واحدة، منذ سنين. كتب مقالاً ينتقد فيه سلوكيات غير حضارية، وتريف المدينة، فأعلت غربان الرأي الواحد نعيقها، ليس للاحتفال بعيد الأضحى، بل بحثاً عن «أضحية» من بين المثقفين، تُعلق عليها أوزارها وتتطهر بها من آثامها. واعتبروا ما كتبه ـ في حمى حماستهم لأفغنة الشارع ـ إساءة لشعائر الدين. كان يمكن لجيش الناقمين على الزاوي أن يتحلوا بقليل من المصداقية، لو أنهم ركزوا طعناتهم، على مقال الكاتب، لكنهم فضحوا نواياهم، حين نقلوا تلك «المعركة» إلى شيطنة نتاج الزاوي ـ إجمالاً ـ وأساؤوا إلى كاتب قضى أربعين سنة في الأدب، أفلت من نار التسعينيات التي جرفت الطاهر جاووت ويوسف سبتي وغيرهما، من دون أن يتنازل عن البوح بمكبوتات مواطنيه، وها هم يُكافئونه الآن بأن جعلوا منه شيطاناً وهم ملائكة، لأنهم ـ فقط ـ أكبر عدداً، وعقيدتهم هي أخلقة المجتمع، بقيم مُستوردة من الخارج، وليس بالاجتهاد، بما يتماشى مع الخصوصية الجزائرية.
إن ما حدث من «إغارة» ضد روائي، أو ما يُصطلح عليه في قاموسهم ﺑ»غزوة ضد الرذيلة»، سبق وحصلت في وقت سابق، وستتكرر لا محالة، فكلما دافع كاتب عن حريته، زاد من تعداد خصومه، هكذا هي الجزائر، يمكن لأي واحد فيها أن يصير كاتباً، ويصدر ما شاء، من نثر أو شعر، شريطة أن يترك «حريته» عند الباب، مثلما يترك مصل حذاءه عند مدخل مسجد، ولا يقول سوى ما يرضي حرس العادات والتقاليد، كي يرفعوا أيديهم إلى السماء ويُباركوا له عمله ويدعوا له بالصلاح والسداد.

٭ روائي جزائري

قد يعجبك ايضا