«انقلاب موز» في إسرائيل
في 14 كانون الثاني/أكتوبر 1993 هرع بنيامين نتنياهو إلى استديو «مباط» في القناة الأولى كي يعترف أمام شعب إسرائيل بأنه خان زوجته وخاض قصة غرام خارج الزواج مع إمرأة أخرى (متزوجة هي أيضًا). وسبب هذه الخطوة غير العادية كان اعتقاد نتنياهو بأن أعداءه السياسيين يحوزون شريطًا يخلد سلوكه بصحبة تلك العشيقة.
في حديث هاتفي وصل إلى منزل عائلة نتنياهو في المساء السابق، قيل لزوجته الشابة إنه إذا لم ينسحب بيبي من الانتخابات التمهيدية لرئاسة الليكود حالاوعلى الفور، فإن الشريط سينشر على الملأ. كان هناك من حاولوا حمل نتنياهو على التراجع عن الركض المعرق إلى التلفزيون. هل رأيت الشريط؟ سألوه. كان الجواب لا. هل رأى أحد ما تعرفه هذا الشريط؟ لا. فلماذا التلفزيون إذن؟ اهدأ، عد حتى الـ 10، افحص إذا كان هناك ما هو حقيقي في ما قيل.
نتنياهو سمع ولكنه لم ينصت. غدد الاضطهاد المضخمة لديه هددت بالانفجار. فقد كان في حالة عصف. في حديث في ذاك البث الذي لا ينسى مع يعقوب احيمئير في الاستديو وإلى جانبه مراسل شؤون الشرطة اوري كوهين اهرونوف، لمح نتنياهو بأن واحدًا من خصومه في الانتخابات التمهيدية على رئاسة الليكود، المحوط «بعصابة من المجرمين» هو من يقف خلف الفعلة. وكان المقصود دافيد ليفي. بعد 25 سنة من ذلك، واحد من تلك العصابة التي أحاطت في حينه بليفي غيّر موضعه وبات من العصبة التي نشرت هذا الأسبوع المؤامرة الجديدة، انقلاب الموز الذي نسجه الرئيس ريفلين والوزير السابق جدعون ساعر للإطاحة برئيس وزراء قائم وهلم جرا.
المؤامرتان لم تكونا ولم تخلقا. في نظرة إلى الوراء تبين أنه لم يكن هناك شريط ساخن. حلم ليلة صيف، هذيان تام، ومزحة دفعت نتنياهو لأن يهين زوجته أمام أمة كاملة (القناة الأولى كانت في حينه قناة التلفزيون الوحيدة) وخلْق اضطراب هائل. يتبين أنه في الـ 25 سنة التي انقضت منذئذ، لم تتغير الكثير من الأمور. الهذيان هو ذات الهذيان، جنون الاضطهاد تحول من عصابي إلى ذهاني، التهديدات تضخمت إلى حجوم كبرى، والتحكم بالوضع ضاع إلى الأبد. رئيس وزراء إسرائيل ينشر نظرية مؤامرة ضد رئيس دولة وعضو في حزبه، دون أي ذنب اقترفاه، فقط لأن أحدًا ما ضغط على الأزرار غير الصحيحة وهمس في أذنيه ببضع حكايات مستهلكة.
لحظة هزلية وقعت أمس في أثناء حفلة عيد ميلاد نتنياهو في مكتب رئيس الوزراء. فقد «ألقى كلمة»، بالطبع، وهذا اقتباس دقيق: «أنا آتي الآن من شيء ما مذهل ببساطة. لا أزال متأثرًا بلقاء نائب رئيس الصين، الرجل الثاني الأقوى في الصين، وهو يتواجد هنا لبضعة أيام، ورأيت أن الإعلام لا يأبه بشيء على الإطلاق، لا يأبهون بشي»، صوت نتنياهو ارتفع هنا، بشكل شاذ، درجتين ـ ثلاث درجات، إلى ما يشابه الصراخ. «الأمر الوحيد الذي يعنيهم»، أضاف، «هو «مؤامر القرن، هذا كل شيء».
ينبغي للمرء أن يشاهد هذا الفيديو كي يصدق. نتنياهو، هو الرجل الذي نشر هذه المؤامرة، من خلال بوقه نتان ايشل. الشاب ليس مصورًا كفؤًا فقط، بل وصانع قصص جنونية معروف. لأيام طويلة تعرق ايشل إلى أن وجد من يشتري البضاعة العفنة التي في جعبته. لم ينشر أي صحافي مهني القصة، إذ لم يكن ممكنًا تأكيد أي من تفاصيلها. في النهاية، وبشكل لا مفر منه، ذهبوا إلى صحيفة البيت، حيث لا يوجد تحرير، أو رقابة أو أي قيد بين الدعاية والمطبعة. وبعد أن نشر هذا أخيرًا وضرب أمواجًا، كان أول ما فعله نتنياهو هو اللوم على وسائل الإعلام التي لا تغطي زيارة الصين.
ما الذي أردت أن تهتم به وسائل الإعلام، يا سيدي رئيس الوزراء. عندما ينسج رئيس ووزير سابق مناورة للإطاحة برئيس وزراء، هذه قصة ضخمة. هزة أرضية. أنت نشرت هذه القصة. والآن تشكو من أننا اشترينا هذه البضاعة المستعملة منك؟
وإذا كنتم تعتقدون أن هذا قد انتهى فإنكم مخطئون، إذ فور الشكوى من الإعلام، واصل رئيس الوزراء ووصف بصوته تفاصيل التفاصيل بـ «مؤامرة القرن» إياها التي نسجها «الوزير السابق في الليكود».
كيف يحاولون العمل ضد إرادة ناخبي الليكود، إرادة الجمهور، للإطاحة برئيس وزراء قائم وما شابه. لشدة الأسف، ليس هناك إلى جانب رئيس الوزراء من يأخذ بالمسؤولية، فيتقدم إليه لحظة، ويضع يدًا على كتفه ويهمس في أذنه: «لا، يا بيبي. لا تقل هذا بصوتك. عندما تقول هذا بصوتك فإنك تبرر العاصفة الإعلامية، تلغي كل ما قلته حتى الآن وترفع مستوى الإثبات إلى مستويات لا يمكنك أن تفي بها. تذكر كانون الثاني 1993. ليس كل همس يهمس به أحد ما يجب أن يصبح نظرية مؤامرة».
بن كسبيت
معاريف 25/10/2018