هل يجدر التنازل عن الأموال السعودية باسم الأخلاق؟
«أحيانًا تتطور الأوضاع بصورة لا يستطيع شخص أن يكسب منها، وفيها كل خيار هو خيار سيئ؛ ما يسمى الآن أزمة الخاشقجي «موت جمال خاشقجي» هو وضع كهذا»، هذا ما كتبه هذا الأسبوع رئيس ومدير عام «سيمنز» جو كايزر في حسابه على «لينكدإن». قلق كايزر تركز حول مسألة ما إذا كان عليه المشاركة في المؤتمر الاقتصادي الدولي الاستعراضي الذي بادر إليه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والذي بدأ يوم الثلاثاء الماضي، أو أن لا يشارك فيه في أعقاب الانتقاد على قتل الخاشقجي.
كايزر ليس هو رجل الأعمال الكبير الوحيد الذي حيرته هذه المسألة. لقد قرر في النهاية أن لا يشارك في المؤتمر الذي يحمل الاسم الرسمي «مبادرة الاستثمارات المستقبلية». لقد شارك قراءه في تعليقه الطويل الثاقب. بعد أن عبر عن تعزيته لعائلة الخاشقجي أوضح بأنه وقفت أمامه ثلاثة خيارات. الخيار الأول هو عدم المشاركة في المؤتمر، وبذلك «الاختباء خلف التيار الرئيسي مثل أغلبية المدعوين». الخيار الثاني هو إرسال شخص ما من المستوى الثاني أو الثالث مثلما فعلت عدة شركات ـ «ولكن كان واضحًا لي أن هذا الخيار لا يناسبني»، كتب. «القيادة لا تعني الاختباء خلف رجالك عندما تطلق النار مباشرة عليك». الخيار الثالث هو المشاركة في المؤتمر والتحدث عن الموضوع نفسه. «في حين أن الخيار الأول كان الأسهل حيث إنه يستجيب للتوقعات، لذا فالخيار الثالث كان هو الأكثر شجاعة وصحة».
حسب رأي كايزر، فإن الحديث مباشرة وبشكل صادق هو الأمر الذي يجب القيام به من قبل شركة تشغل نحو ألفي عامل في السعودية وتعمل بشراكة طويلة منذ سنوات مع المملكة ومع شركات سعودية رائدة. لماذا قرر عدم المشاركة؟ «إدارة شركة تقتضي أكثر من التعبير عن الصدمة من عمل بربري مثل الذي حدث في إسطنبول»، قال. «صحيح أننا جميعًا بشر ولدينا مشاعر وقلق ومخاوف، لكن هذه مسؤولية المدير العام في أن يجد اجابات للتحديات. الزبائن يثقون بنا، العمال يعتمدون علينا في الحفاظ على أماكن عملهم، الدول تريد أن نضع مصالحها على رأس سلم الأولويات، وأصحاب الأسهم يطالبون بالمعقولية، وعلى الأقل إدارة صناعة تنتج قيمًا».
من هنا جاءت حاجته لأن يأخذ في الحسبان مصالح الجميع، ومنها أيضًا الفرصة التجارية التي تساوي حوالي 30 مليار دولار، قبيل تطبيق خطة ابن سلمان في 2030. «لقد قررت تبني الخيار الأول وعدم المشاركة في المؤتمر. وهذا هو القرار الأنظف ولكنه ليس الأشجع»، اعترف بشكل صريح. يبدو أننا لن نسمع أي تفسير واضح وصريح أكثر من هذا، الذي قدمه رئيس «سيمنز» على قرارات رجال البنوك، والوزراء (وزير المالية الأمريكي ستيف ملوتشن)، ورؤساء شركات، ورجال أعمال، للمعضلة الشديدة التي اضطروا لمواجهتها.
التهديد بالانتقال المستقبلي من تلك الشركات ومخاطرة استثمارات مستقبلية وأرباح طائلة، إزاء التراث البائس الذي يقول إن المصالح التجارية هي الأهم، تحديدًا قبل قتل صحافي سعودي ـ هي تحد نادر موجود أمامهم.
رؤساء شركات ينتظرون بشكل عام الحكومات لفرض العقوبات أو أمرهم بعدم عقد صفقات مع الدولة المجرمة، مثلما حدث في موضوع إيران أو السودان. هذه المرة رجال أعمال ومستثمرون في طور الإمكان هم الذين وقفوا على رأس الحملة الجماهيرية ضد السعودية وأجبروا الحكومات على اتخاذ موقف.
من الصعب إيجاد تفسير معقول لمسألة لماذا قتل الخاشقجي بالذات هو ما أثار المجتمع التجاري من أجل العمل، وليس حملة مطاردة أردوغان للصحافيين، أو قتل الصحافيين في روسيا أو اعتقال صحافيين في الصين. ربما أن الانتقاد الطويل ضد النظام العالمي الجديد، الذي ينتقد الشركات الضخمة بسحق القيم وحقوق الإنسان من خلال الاستغلال والجشع والتنكر للأخلاق العالمية، هو الذي أوجد الانعطافة. ربما يكون الفهم بأن التعاون مع دولة قاتلة ليس جيدًا للأعمال هو الذي شجع رجال الأعمال على عدم المشاركة في المؤتمر، وربما العكس صحيح، ربما أن الفهم بأن السعودية رغم الأموال الطائلة لها تعتمد على الاستثمارات والتكنولوجيا الغربية من أجل تنفيذ مخططاتها للتطوير، يحول تهديدها إلى تهديد أجوف، وأوجد فرصة للتعبير عن موقف أخلاقي دون المخاطرة أكثر من اللازم.
عرض الغياب عن المؤتمر لم يكن كاملًا، رغم أن قائمة المتحدثين تقلصت في الأسبوع الأخير. من المشكوك فيه أيضًا إذا كانت هذه الأزمة ستؤثر بشكل جوهري على تنفيذ مخططات التطوير. شركات مثل «سيمنز» و«جي.بي.مورغان» و«بالتروك وأوفر»، التي تغيب مديروها عن المؤتمر، لن تتنازل عن النصيب المتوقع أو عن المشاريع التي هي الآن قيد التنفيذ، كما كتب رئيس «سيمنز»، لهذه الشركات التزام للزبائن والعمال وأصحاب الأسهم.
ليست كثيرة تلك الدول في العالم التي تستطيع مثل السعودية الدفع نقدًا مقابل تنفيذ الأعمال، وتاريخ ائتمانها جيد مثل تاريخ المملكة. المنافسة على الجيوب السعودية كبيرة. كانت تكفي رؤية البعثات اليابانية والروسية الكبيرة التي وصلت إلى الرياض من أجل الفهم أن التضامن الأخلاقي لن يعيق المنافسة التجارية. ولكن تميز تفرد الظاهرة التي يظهر فيها مجتمع الأعمال التجارية موقفًا قيميًا له تأثير سياسي ـ يجب أن يثير التفكير أيضًا في السياق الإسرائيلي.
تسفي برئيل
هآرتس 25/10/2018