ذكرى صدور الدستور
أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع
تمر علينا هذه الأيام ذكرى مهمة ألا وهي ذكرى صدور الدستور الكويتي في 1962/11/11، والذي اكتست به الكويت وثيقة ميلادها القانوني والسياسي، وهو الذي قدم البلد كدولة عصرية للمجتمع الدولي بدلا من المشيخة العشائرية، متذكرين جميعا، حكاما ومحكومين، حقيقتين كل منهما أهم من الأخرى: أولاهما الاستقلال الذي كتب به ميلاد الكويت الدولة العصرية الراسخة بثوابتها الوطنية، ممثلة بأسرة حكم جاءت برضائية أصيلة فتجذر الحب والولاء، تتممها شورى مؤسسية (مجلس منتخب للأمة) تولى من خلالها الشعب المشاركة في إدارة شؤون الدولة وتوجيهها، ومن حسن طالعنا كشعب أن تجسدت تلك الثوابت بوثيقة دستورية توافقية تعاقدية (عقد اجتماعي، بل وقانوني) لتعبر عن نضج الكويتيين، حكاما ومحكومين. ولعل ما تجسده المادتان الرابعة والسادسة من الدستور يمثل روعة التعاقد الاجتماعي، إذ انه تكريس صريح لتلك الثوابت وصيانتها، ثانيهما أن المرجعية الدستورية، الممثلة بهذه الوثيقة، كانت هي دوما طوق النجاة للبلد حينما تشتد الأحوال وتأتي الأزمات، فهي كانت السند لتخليص الكويت من أطماع عبد الكريم قاسم، ثم كانت سندا للتحرر من براثن احتلال عراقي صدامي حاقد كان يتم تغذيته منذ ميلاد الكويت باستقلالها عام ١٩٦٢، وهي محنة عبرها الوطن بفضل من الله عز وجل، وبالتماسك الفريد الذي أظهره أهل الكويت، حكاما ومحكومين، فسطروا ملحمة فريدة في الذود عن شرعيتهم، فتم تجاوز خلافات تعطيل الدستور والتقى الكويتيون على صعيد واحد في مؤتمر جدة لتعاد إلى الأذهان صورة مثالية من الرضائية بين الأسرة والشعب قاسمها ولاء ولحمة وطنية، وتأكيد متجدد على المرجعية الدستورية في استعادة الوطن والحفاظ على ثوابته والانطلاق لإعادة بنائه، ثم تأتي أزمة انتقال الحكم والسلطة وظروفها الدقيقة ليظهر الكويتيون مرة أخرى أنهم، حكاما ومحكومين، يلوذون جميعا بالتسليم لمرجعيتهم الدستورية لتكون هي الفيصل، وفعلا كان ذلك سندا بسلاسة انتقال الحكم باتباع أحكام الدستور وإجراءاته ليكون طوقا للنجاة في تجاوز هذه الأزمة.
إن إدراكنا لسر قوتنا بمرجعيتنا الدستورية ينبغي أن يكون حاضرا في كل الأوقات، وكلما تجددت الحوارات الوطنية للبحث عن مخارج للإشكاليات فخلافاتنا ينبغي ألا تنسينا هذه الوثيقة التعاقديّة، وها نحن نشهد كيف أنها حُكّمت في موضوع إسقاط عضوية النواب، كما أنها سند البحث عن العفو، سواء كان عاما أو خاصا، لكونها هي سر قوتنا وسمة تميزنا عن بقية الأمم والدول والشعوب. وتكمن حيوية إدراكنا لذلك أن نذكر بَعضُنَا بما يعنيه ذلك لنا جميعا، خصوصا أن شواهده التاريخية والوطنية حاضرة بيننا، ولقد بات التذكير بكل ذلك أكثر إلحاحا ووجوبا هذه الأيام، فقد تغلغلت في بلدنا مظاهر وممارسات هدف من خلالها البعض إلى اقتلاعنا من تلك الجذور الراسخة والثوابت المتأصلة، لتهميش مرجعيتنا الدستورية أو إفراغها من مضامينها، لأن هناك أطرافا متضررة من توازنها وأحكامها، وتدرك عدم قدرتها على العيش في كنفها، وهذا البعض وضع البلد في ذهنه أنها فرصة وضربة حظ فحاد عن الطريق وتنكر للثوابت، فصارت منطلقاته في العمل الوطني، بكل أسف، حسابه لمصالحه التي تتنكب عن مسارات المصلحة الوطنية، فنسى التوازن الدستوري المقصود، فسارع لتقديم الرأي الأناني والخاطئ وشغلته خصوماته وتطلعاته ومصالحه عن الوطن، وزاد من حظوة هذا البعض وهن تكوين مجلس الأمة وضعف الحكومة، ليكون ذلك مظهرا إضافيا في تراجع مسيرة الوطن، ويحاول البعض الاستفادة من الصراع السياسي ليعزز مواقعه وتأثيره على مستويات عديدة. لكن ثقتنا كبيرة بالله وبقيادتنا السياسية التي أثبتت في كل الأحداث والوقائع حكمتها وحنكتها في تجنيب البلد عوادي الأيام وتكريس الثوابت الوطنية والدستورية.
إن مناسبة صدور الدستور تستحق أن تكون مناسبة لإعادة البهجة إلى أهل الكويت ولعل طَي صفحات وأحداث الماضي القريب بات ضرورة لإحداث نقلة وطنية تعيد أولئك البعض لإدراك حقيقة الثوابت الدستورية التي حفظت البلد وحققت تميزه الفريد، ولعل المصالحة الوطنية وتعزيز أجواء الحريات وبتر بؤر الفساد وفضح استخدام المال السياسي وصدور قانون العفو العام وتعديل قانون الدوائر الانتخابية والتعجيل بانتخابات جديدة لمجلس أمة تتواكب ومتطلبات المرحلة أصبحت استحقاقا وطنيا ملحا في ذكرى صدور الدستور.
أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع
[email protected]
@al_moqatei