من أنا .. ؟!

د. عبد الفتاح ناجي

 

يخوض الإنسان في مسيرة حياته حروباً مع ذاته بحثاً عن إدراك هويته. فهو يبحث عما يرضيها من دون كسر الحواجز الاجتماعية التي يعيش داخلها، فهو بذلك يبدأ مرحلة تكوين تلك «الأنا»، ومنها يصنع الهوية الذاتية لنفسه، التي ستلتصق به طويلاً في حياته.
هل توقفت يوما لتسأل نفسك «من أنا؟!»، إن المفارقة بأن كثيرين ممن يتفرّغون لتقييم الناس المحيطين بهم ينسون أن يتطرقوا لتقييم ذواتهم وإدراك حقيقة أنفسهم عن قرب دون تجمّل. هي ما ينقص كل شخص بحث عن التفوّق والإبداع بأن يقيّم نفسه، ولا يجعل من نفسه حكماً على الآخرين، ويصبح أداة لتقييم الآخرين فقط.
نعم، سؤال يعطي صاحبه فرصة للمراجعة الذاتية والتأمل، في محاولة للغوص في أعماق الذات وتحليل حصيلة ما قام به وما سيقوم به، وما يتمنى أن يقوم به. فيأخذه الخيال بعيداً ويتفرّغ العقل للتقييم والتحليل، فيسافر الخيال بعيداً ذهاباً وإياباً، شبيهة بعملية مسح شامل لخريطة الحياة الذاتية، مما يزوّد العقل بفرصة لكتابة تقريره الذي ينتظر أن يصنع فرقاً إيجابياً في حياة «الأنا» لدى ذلك الفرد. إنّ «الأنا» هي الصورة الذاتية الشاملة التي قد تكوّنت بناءً على كل مفاهيمك حول نفسك وحول قدراتك، وهي حصيلة من المفاهيم عن كل الخبرات، والقرارات، وتجارب النجاح والإخفاق، والأفكار والمعلومات والانفعالات والآراء الخاصة بحياتك حتى هذه اللحظة. ومن شأن هذه الصورة الذاتية العاملة أن تحدد طريقة ومحتوى كل من تفكيرك ومشاعرك حول نفسك، وأن تقيس مدى كفاءة أدائك وفاعليته، فكلما اقتربت تلك الحصيلة من واقع البيئة التي يعيش بها الفرد، كانت ذاته قريبة من واقعه، وبالتالي يكون مستوى تقدير الذات مرتفعاً، مما ينعكس على إنتاجية الفرد وفاعليته داخل المجتمع. وغياب تلك الصورة الإيجابية للذات أو حدوث «تشويش» على تلك الصورة للذات من خلال قيم متناقضة ومشاعر سلبية داخلها، قد يُدخِل الفرد في متاهة تضيع معها صورته عن نفسه. وبالتالي تراجع مستوى تقدير الذات وانخفاض في مستوى الدافعية والإنتاجية.
قد يكون تكرار كلمة «الأنا» غير مستحبّ ويرفضه الكثيرون، ولكن لكل مفهوم دوره الايجابي في حياة البشر من دون المبالغة في تناوله، فتقدير الفرد لنفسه وافتخاره بـ«الأنا» التي صنعها ولا زال يبني فيها، أراهما إيجابيين، بل ويدفعان الفرد للتطوّر والتقدّم اللذين هما في مصلحة المجتمع ككل. فلماذا لا نعزز قيمة «الأنا» في عقول أبنائنا من دون الغلو فيها، وتعليمه أن «الأنا» إذا ما انصهرت في الـ«نحن» ارتفعت قيمتها ولم تنخفض؟!
فهل وجدتم أنفسكم! وهل تدركون من أنتم؟!

د. عبد الفتاح ناجي
[email protected]

قد يعجبك ايضا