فورين أفيرز: ترامب يدفع ثمن تدخله في السياسة السعودية

 

وهج 24 : لماذا يجب أن تبتعد الولايات المتحدة عن السياسة السعودية؟ يجيب أف غريغوري غوس الثالث، الخبير في شؤون السعودية بجامعة ” تكساس إي أن أم” مقالا بمجلة ” فورين أفيرز” بدأه بالتذكير بمقاله الذي كتبه في عدد أيار (مايو)/حزيران (يونيو) 2018 وقال  فيه إن ولي العهد السعودي وطد سلطته داخل العائلة المالكة بدرجة تحرر فيها من القيود التي فرضها نموذج الحكم الجماعي الذي ميز اسلوب الحكم في السعودية.

 النظام السعودي تعامل في الماضي مع نقاده ولاحقهم بقسوة في الخارج لكن ليس بهذه الطريقة الآثمة.

وسمحت الحرية لمحمد بن سلمان (م ب س) اتخاذ خطوات مهمة باتجاه التغيير الاجتماعي وخصخصة نسبة 5% من أسهم شركة أرامكو وفتح المجال أمام المرأة لقيادة السيارة. ولكنها في الوقت نفسه دفعته للقيام بمغامرات في السياسة الخارجية لم تكن لتحدث ابدا.  وكتب في ذلك المقال محذرا ” بناء على طموحه واندفاعه، على العالم توقع مفاجآت جديدة”. وكانت حادثةمقتل جمال خاشقجي في إسطنبول في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) والذي كان من داخل المؤسسة وناقدا رقيقا لها واحدة من المفاجآت. ويعلق غوس أنالنظام السعودي تعامل في الماضي مع نقاده ولاحقهم بقسوة إلى الخارج لكن ليس بهذه الطريقة الآثمة. ومن الواضح كما يقول الأكاديمي أن (م ب س) مسؤول عن مقتل خاشقجي رغم نفي المسؤولين السعوديين ومحاولات الإدارة الأمريكية التشكيك بدوره. وكان مقتل خاشقجي لو أعدنا صياغة ما قاله الدبلوماسي الفرنسي تشارلس توليران جريمة وخطأ. فهي لم تشوه سمعة (م ب س) الدولية كمصلح اقتصادي واجتماعي، بل وأطلقت العنان لحملة نقدية داخل الولايات المتحدة التي كان لدى خاشقجي فيها شبكة من الأصدقاء والمعارف في السياسة والإعلام والدوائر الأكاديمية بمن فيهم الكاتب نفسه. وأشار الكاتب لتصويت مجلس الشيوخ في 13 كانون الأول (ديسمبر) على قرار بالإجماع حمل ولي العهد السعودي المسؤولية لقتل خاشقجي واختار المجلس قطع كل الدعم الأمريكي للحرب التي يقودها التحالف السعودي-الإماراتي في اليمن. ويرى غوس أن أزمة خاشقجي هي الأكبر خطورة منذ هجمات إيلول (سبتمبر) 2001 والتي شارك فيها 15 سعوديا من بين 19 منفذا.

وتساءل الكاتب في مقالته تلك إن كان (م ب س) سيكون مثل شي جينبينغ، الرئيس الصيني وفلاديمير بوتين، الرئيس الروسي أم مثل ملك إنكلترا هنري الثامن. وكان هذا التقييم بناء على السلطة التي حصل عليها عندما سجن 300 من المسؤولين ورجال الأعمال والأمراء في فندق ريتز كارلتون بذريعة مكافحة الفساد. وكشف مقتل خاشقجي عن أن ولي العهد ينظر إلى القادة الثلاث كنموذج يحتذى. فكلا من بوتين وشي، لاحقا المعارضين لهما في الخارج وحاولا إسكاتهم ومن يعتقدان أنهم يمثلون تهديدا ممكنا على نظاميهما. ولا يحمي الشخص كونه من داخل النظام فقد عرفت زوجات ووزراء هنري الثامن بمصيرهن وهن ماشيات إلى مقصلة الإعدام.

 مشكلة بن سلمان وهو يحاول تقليد مثالي كل من شي الصيني وبوتين الروسي هي أنه لا يقود دولة عظمى كما يفعلان.

ومشكلة (م ب س) هي أنه وهو يحاول تقليد مثالي كل من شي الصيني وبوتين الروسي هي أنه لا يقود دولة عظمى كما يفعلان. ويمكن لهذين الإثنين عمل ما يريدان ودونما خوف من العقاب. وهما ليسا بحاجة للدعم الدولي كي يحميان مصالح بلديهما. فالسعودية ليست دولة عظمى وهي تعتمد علىالولايات المتحدة والحلفاء الآخرين للحصول على الأمن. وهي بحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية لو أرادت تخفيف اعتمادها على تصدير النفط كما يطمح (م ب س). صحيح أن السعودية تملك تأثيرا على السوق النفطي العالمي وموقعا في العالم الإسلامي إلا أن تأثيرها يظل محدودا، فهي لم تستطع الانتصار في حرب اليمن ولا الإطاحة ببشار الأسد في سوريا أو الحد من التأثير الإيراني في المنطقة العربية. وعانى بن سلمان من نكسات في رؤيته الإصلاحية الداخلية. مما يشير إلى محدودية سلطته. فأعمامه الذين حكموا المملكة العربية السعودية ولعقود كانوا يعرفون حدود قوتهم. ولهذا تميزوا بالحذر في مواقفهم على الساحة الدولية. وبالمقابل يتعلم (م ب س) محدودية قدراته بالطريقة الصعبة، هذا إن كان يتعلم من أخطائه. ويعتقد الكاتب أن الرئيس ترامب ارتكب خطأ فادحا عندما ربط نفسه بـ (م ب س) أثناء صعوده إلى السلطة. فالإدارات الأمريكية السابقة، على الأقل منذ الستينات من القرن الماضي أبعدت نفسها عن الصراع على السلطة داخل العائلة المالكة لاعتقادها أن من سيفوز بها سيحافظ على العلاقة معها. ودعم ترامب وبشكل مفتوح مناورات (م ب س) مع أقاربه وها هو – الرئيس- يدفع ثمن تدخله غير الضروري في السياسة المحلية السعودية. ويضيف الكاتب أن نقاد العلاقات الأمريكية-السعودية والمتطرفين منهم يرتكبون نفس الخطأ. فمن خلال دعوته لتنحية (م ب س) يرتكب السناتور الجمهوري ليندسي غراهام نفس الخطأ الذي ارتكبه ترامب في دعمه لصعود (م ب س) على حساب أقاربه.

ويذكر الكاتب أن تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط لم تكن نتائجها جيدة للولايات المتحدة-من الانقلاب على رئيس وزراء إيران محمد مصدق في عام 1953 إلى غزو العراق عام 2003.

 على واشنطن التأكيد  للرياض  بأنها بحاجة لتعيين سفير جديد في واشنطن خاصة أن السفير الحالي، شقيق بن سلمان، الذي لم تعد له مصداقية في الولايات المتحدة.

ويرى غوث أن على أمريكا أن تترك هذه اللعبة خاصة مع (م ب س) الذي وطد دعائم حكمه داخل العائلة المالكة ومؤسسات الدولة التنفيذية، وبالتالي فأي محاولة لدفع المعارضة الإطاحة بولي العهد لن تنجح. ويضيف إلى أن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط هي سبب فشل الدول والحروب الأهلية في دول مثل ليبيا وسوريا واليمن والعالم لا يحتاج سعودية غير مستقرة تضاف على القائمة. ويجب أن تقوم واشنطن بالتعبير عن رفضها لتصرفات ولي العهد. ويمكنها حث الملك سلمان على تعيين وزير خارجية يعمل محاورا للولايات المتحدة وصوتا يضبط السياسة الخارجية السعودية. وعليها التأكيد أن الرياض بحاجة لتعيين سفير جديد في واشنطن خاصة أن السفير الحالي، شقيق (م ب س)، لم تعد له مصداقية في الولايات المتحدة. وعلى واشنطن تجنب التأكيد على اختيار أسماء في عملية تغيير الخلافة داخل العائلة المالكة، وتحكم هذه السعودية منذ قرن ويجب تركها القيام بمهمتها. وبدلا من التركيز على الشخصيات يجب على واشنطن التركيز على السياسة. واتخذت إدارة ترامب خطوات في هذا السياق حيث دفعت الرياض لإيجاد حل لليمن وإنهاء خلافها مع قطر. ويجب أن تستخدم نفوذها في اليمن وكل ما منحته جريمة قتل خاشقجي من زخم والدفع لتخفيف الفوضى السياسية التي يعاني منها الشرق الأوسط والمعاناة الإنسانية التي ترافقها.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا