عندما تتحول الكرة إلى منافسة اقتصادية!
حفيظ دراجي
الأرقام السنوية التي ذكرها المؤشر المالي الكروي بخصوص ترتيب أغنى الأندية في العالم تثبت مجددا تفوق الأندية الانكليزية، التي نجد منها 30 فريقا ضمن قائمة أغنى 100 ناد، وتبرز بوضوح توغل رؤوس أموال صينية وأمريكية في مختلف الأندية الأوروبية لتستثمر في اقتصاد جديد يدر أموالا كبيرة.
الدراسة أكدت أن أغنى الأندية توجد ضمن الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا وبعض الفرق الصينية والأمريكية التي ترتقي تباعا الى مصاف الأغنى كل موسم بفضل المستثمرين المحليين الذين وجدوا في كرة القدم مجالا للاستثمار والربح وتسويق علاماتهم التجارية، ليجعلوا من أندية كرة القدم مؤسسات اقتصادية كبرى تقتضي تسييرا اداريا وماليا في مستوى التسيير الفني، ما دام الأمر يتعلق بالمليارات.
المؤشر المالي يأخذ بعين الاعتبار قيمة اللاعبين في السوق وممتلكات النادي واستثماراته المستقبلية وحجم ديونه بالإضافة الى الايرادات من صفقات اللاعبين ومداخيل حقوق البث التلفزيوني، ومداخيل المشتركين والمشاهدين لمباريات النادي، وكذلك ما تدره عمليات التسويق من أموال، حتى صارت النتائج المالية الايجابية التي تحققها الأندية الكبرى معيارا لقياس مدى نجاحها ماديا أكثر من نجاحها في تحقيق البطولات والألقاب على غرار الفريق الأغنى عالميا خلال سنة 2018 مانشستر سيتي الذي فاقت ثروته أربعة مليارات دولار، متبوعا بباريس سان جيرمان والبايرن وتوتنهام وآرسنال والريال والبارسا ثم المان يونايتد فيوفنتوس فتشلسي وليفربول، وهي فرق تحولت إلى مؤسسات اقتصادية كبرى استفادت من استثمارات ممولين محليين وأجانب وجدوا في الكرة ما لم يجدوه في الصناعة والسياحة والخدمات.
الأرقام المذكورة هذه السنة في مؤشر الاستثمارات والعائدات المالية، جعل من الرياضة العالمية وكرة القدم على الخصوص أحد أهم ركائز الاقتصاد العالمي، حيث تساهم العلامات التجارية الأمريكية مثلا في رعاية الأندية بأكثر من 200 مليار دولار سنويا، ما يمثل ضعفي مداخيل انتاج السيارات وأضعاف ما تمثله مداخيل صناعة السينما. الشركات الألمانية بدورها توجهت بقوة نحو رعاية أندية، مثلما تفعل الشركات البريطانية ومؤسسات أخرى قطرية واماراتية جعلت من كرة القدم وسيلة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، أما الشركات الصينية التي غزت الأسواق العالمية في كل المجالات، فجعلت من كرة القدم المحلية والأوروبية وسيلة لاستثمار أموالها والدعاية لعلامتها الكبرى مرورا بنادي غوانجو المحلي الذي صار يحتل المركز الثالث عشر في ترتيب أغنى الأندية في العالم إلى الاستثمار في أندية ايطالية وبريطانية عدة.
ورغم الشغف والإقبال الجماهيري الكبير على الكرة الحديثة في شمال افريقيا وأمريكا الجنوبية وتطورها في آسيا، لكن مؤشرات سنة 2019 أكدت مجددا أن أوروبا هي المسيطرة وهي التي تستقطب رؤوس الأموال، خاصة إنكلترا، التي نجد فيها 23 فريقا ضمن المئة الأوائل، بينها 10 أندية ضمن الثلاثين الأوائل، في وقت جاءت الولايات المتحدة مصنفة بثلاثة عشرة ناديا في قائمة المئة، أبرزها غالاكسي صاحب المركز الـ18، فيما تأتي الصين بثمانية أندية، أما افريقيا وآسيا فلا تزال الكرة فيهما مجرد لعبة يتم فيها الاستثمار لاستغلالها سياسيا واجتماعيا بدون الجانب الاقتصادي، رغم العائدات الكبيرة التي صارت تدرها في العالم صناعة كرة القدم التي تجمع بين التسيير الاداري والمالي الناجح، وبين النتائج الفنية التي تجني من خلالها مداخيل كبيرة لتعيد استثمارها مجددا وتحقيق الأرباح منها.
الكثير من المتابعين يتساءلون اليوم عن مصدر كل هذه الأموال المتداولة في عالم كرة القدم، خاصة تلك المتعلقة بصفقات انتقال اللاعبين وأجورهم الخيالية، والكثير صار يتساءل هل نحن أمام منافسة رياضية بين الأندية، أم منافسة اقتصادية بين الشركات الكبرى، وبين سياسة دول تنفق بسخاء، حتى صارت الكرة أكثر من مجرد لعبة، وتحولت الى مقاربة اقتصادية مثل أي نشاط اقتصادي آخر يخضع لقواعد العرض والطلب، ولمبادئ تجارية أكثر منها رياضية جعلت من الكرة العالمية منتوجا ووسيلة للربح. كرة القدم حين تتحرك على أرض الملعب بالتتويجات تكون حركتها بالمقابل أسرع إقتصاديا وماليا، فبناء الأندية الآن أساسه القوة المالية الناتجة عن الشهرة بل المرتكزة على الأسماء ووزنها. قبل سنوات لم يكن على بال أي إنسان أن يشاهد مجموعة من اللاعبين العالميين في بلد المليار نسمة، لكن العامل المالي كان حاسما في أن يمنح التأشيرة الكروية لكل من أوسكار وباولينيو وكاراسكو وغيرهم وهم في أوج عطائهم، أسماء كانت كفيلة أن تضع الفرق الصينية في الواجهة وتدخلها خانة تفكير أي لاعب حتى ولو قبل إعتزاله. في الصين كل شيء يتعامل معه على أنه علم، كرة القدم في تفكيرهم المستقبلي ترتقي إلى أن تكون كذلك لأنها الصناعة الدائمة في نظرهم.
إعلامي جزائري