سعر صرف اليوان موضوع جوهري في المفاوضات الأمريكية الصينية

 

وهج 24 : جعلت الولايات المتحدة من سعر اليوان موضوعا جوهريا في مفاوضاتها التجارية مع الصين، خشية أن تقوم بكين بتخفيض قيمة عملتها لدعم صادراتها، غير أن ضبط سوق الصرف في الصين يعكس في الحقيقة واقعا أكثر تعقيدا.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي التوصل إلى تسوية مع الصين «حول عملتها»، وهو الذي يتهم العملاق الآسيوي بالتلاعب بمستوى اليوان لزيادة تنافسية منتجاته. وتحدث وزير الخزانة ستيفن منوتشن عن «اتفاق تاريخي» فيما أوضح المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كادلو يوم الخميس الماضي أن واشنطن تريد بصورة خاصة إرغام بكين على لزوم الشفافية حول تدخلها في سعر العملة الوطنية.
لكن المطالبة بسعر «مستقر» لليوان تنطوي على مفارقة. فلا مصلحة للصين بالضرورة في أن تكون عملتها ضعيفة، والضغوط نحو خفض قيمة اليوان نابعة إلى حد بعيد عن الأوضاع السائدة في الولايات المتحدة وعن رفع معدلات الفائدة الأمريكية، وليس عن معلومات موثوقة.
فـ»صندوق النقد الدولي» مثلا يرى أن الصين لم تقم بتخفيض قيمة اليوان. وقال في مايو/أيار 2015 أن قيمة اليوان «ليست مخفّضة»، ثم عاد وأكد في يوليو/تموز 2018 أن «سعر اليوان المستقر بالإجمال يعكس بصورة إجمالية المعطيات الأساسية» للاقتصاد الصيني.
وحتى وزارة الخزانة الأمريكية نفسها أكدت مرارا ان بكين لا تتلاعب بعملتها، ولو أنها تقوم حكما بضبط تقلبات اليوان.
يذكر أنه لا يمكن تحويل العملة الصينية بحرية، فلا يمكن لسعرها أن يتراوح مقابل الدولار إلا في هامش 2% حول سعر محوري يحدده يوميا البنك المركزي الذي ليس مؤسسة مستقلة، خلافا للمصارف المركزية الغربية.
وهذا ما يحد من إمكانية تقلب اليوان الذي بقي سعره خلال السنوات الخمس الأخيرة بين 6,2 و6,8 يوان للدولار الواحد، وهو مستوى مرتفع تاريخيا بالمقارنة مع حوالي 8 يوان للدولار في العقد الأول من الألفية.
ةوارتفع سعر اليوان بحوإلى 6% عام 2017، لكنه عاد وتراجع 5.7% في 2018 مسجلا أدنى مستوى تاريخي له منذ عقد، ما حرك المخاوف من أن تكون بكين افتعلت هذا التراجع.
غير أن المحللين يعزون تراجع قيمة اليوان إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني والحرب التجاري الجارية مع الولايات المتحدة ، إضافة إلى رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) معدلات الفائدة، وهو قرار يؤدي تلقائيا إلى ارتفاع سعر الدولار ويجعل الأصول المُقَوَّمة بالدولار جذابة أكثر منها بالعملات الأخرى. وكما هو معروف تحدد بكين يوميا سعرا محوريا لليوان يمكن لعملتها أن تتقلب حوله. ويفترض أن يستند تحديد هذا السعر المحوري إلى السوق، لكن البنك المركزي الصيني يقول أنه منذ أغسطس/آب يأخذ في الاعتبار عامل «تصحيح لمكافحة تقلبات الدورات الاقتصادية»، الذي يهدف إلى الحد من تأثير «العوامل الاستثنائية» والحفاظ على «سعر متوازن».
وهزت الصين الأسواق العالمية في أغسطس/آب 2015 إذ خفضت سعر اليوان 5% خلال أسبوع واحد، وبررت بكين ذلك بعزمها على أن يعكس سعر اليوان مستواه الفعلي تمهيدا لدمج العملة الصينية في الوحدة الحسابية لـ»صندوق النقد الدولي».
وأثار ذلك القرار هلع المستثمرين وأدى إلى هروب كميات هائلة من الرساميل خارج الصين (650 مليار دولار عام 2016)، ما زاد من حدة تراجع اليوان.
وقام البنك المركزي الصيني عندها بالتدخل بشكل نشط لوقف تدهور قيمة العملة الوطنية، راصدا مبالغ طائلة من احتياطات الصرف الهائلة لديه من أجل شراء اليوان وبالتالي دعم سعره.
وفي هذا الصدد يذكر ان احتياطيات الصين من العملات الأجنبية، البالغة 3100 مليار دولار في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، تشكل سلاحا في غاية الأهمية بيد بكين.
كذلك قام البنك المركزي الصيني في 2015 بتشديد الرقابة على حركة الرساميل سعيا لاحتواء الضغوط على اليوان.
ويدعم سعر صرف متدن لليوان الصادرات الصينية، ما قد يعوض جزئيا عن مفاعيل الحرب التجارية او عن الارتفاع الشديد في سعر العمالة في الصين.
غير أن بكين تؤكد أنها تريد الحفاظ على استقرار عملتها، وفي حال التوصل إلى اتفاق تجاري مع واشنطن، قد تتحرك لتفادي أي انخفاض حاد وسريع في سعر عملتها.
والواقع أن الصين لا مصلحة لها في أن يكون سعر اليوان متدنيا جدا، إذ أنه قد يحفز حركة هروب الرساميل إلى الخارج، الأمر الذي ينعكس سلبا على الاقتصاد.
كما أن تدني سعر اليوان قد يضر بجهود بكين لفرض عملتها كعملة دولية واجتذاب المستثمرين الأجانب إلى أسواقها.
ولفت مارك سوبيل، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، إلى أنه إذا ركزت بكين وواشنطن جهودهما على «استقرار» اليوان، فإن الظروف «جاهزة» من أجل التوصل إلى ذلك. فالاحتياطي الفدرالي أوقف زيادة معدلات الفائدة، فيما الاقتصاد الصيني يبدي مؤشرات استقرار بفضل التدابير التي اتخذها النظام لتحفيز الاقتصاد.

المصدر : أ ف ب

قد يعجبك ايضا