السيادة والأمن والأماكن المقدسة وإشراك محافل في إدارة الحرم: القدس… والعباءة الأمريكية وفق «خطة القرن»

 

بعد لحظة من الانتخابات تعتزم الولايات المتحدة وضع خطة القرن «خاصتها» على الطاولة. وفي مركزها بند القدس. التوقيت موجه جيداً. فهو يستهدف إجبار كل اللاعبين في الساحة الإسرائيلية على التطرق للمخطط في سياق المفاوضات الائتلافية لتشكيل الحكومة الجديدة. أجزاء وأفكار مركزية في الخطة سبق أن عرضت على إسرائيل والفلسطينيين وعلى السعودية والأردن ومصر، ونحن ننشر هنا لأول مرة خطوط المخطط (وليس النهائي بالضرورة) بالنسبة للقدس، مثلما عرضت على الأطراف.
خطة ترامب عملياً تقسم القدس وتغير حدودها. فهي تخرج من النطاقات البلدية للمدينة، التي أحل عليها القانون الإسرائيلي في 1967 المجالات الشمالية لكفر عقب ومخيم شعفاط للاجئين خلف الجدار، وتنقلها إلى تخوم الدولة الفلسطينية، التي حسب الخطة ستقع على نحو 85 في المئة من أراضي يهودا والسامرة. كما أن أحياء عربية في جنوب المدينة، مثل جبل المكبر وعرب السواحرة، وأم ليسون وأم طوبا، ويحتمل حتى صور باهر (المجاورة للأحياء اليهودية: تلبيوت شرق وهار حوما) ستنتقل وفقاً للخطة إلى سيادة فلسطينية. وتبقي الخطة في أيدي إسرائيل، على الأقل في مرحلتها الأولى، صلاحيات أمنية واسعة، في المناطق التي تخرج من القدس.
يميز الأمريكيون مبدئياً بين تخوم القدس الأردنية سابقاً في حدودها قبل 67، نحو 6 كيلومتر مربع فقط، والتي تضمنت نطاق البلدة القديمة والأحياء المحاذية لها، وبين الـ 64 كيلومتر المربع الأخرى التي ضمتها إسرائيل إلى القدس بعد حرب الأيام الستة وفيها 28 قرية لم تشكل في الأصل جزءاً من القدس.
وحسب مخطط ترامب، في أجزاء واسعة من المنطقة الأضيق، التي تقع في داخلها البلدة القديمة و«الحوض المقدس» أيضاً، وكذا جزء من سلوان ـ مدينة داود، ومنطقة جبل الزيتون، ومنطقة شمعون الصديق ـ وادي الجوز ـ الشيخ جراح، وجبل المشارف وعلى ما يبدو أيضاً الثوري ـ ستبقى تحت السيادة إسرائيلية. ومع ذلك، فإن جزءاً من الأحياء العربية التي تقع في الدوائر الأوسع للقدس، ستنقل كما أسلفنا إلى سيادة فلسطينية. الأحياء اليهودية الـ 12 التي أقيمت بعد 67، في مناطق القدس «الضيقة» (الأردنية) و «الموسعة» (28 قرية)، حيث يعيش اليوم أكثر من 220 ألف يهودي، ستبقى بيد إسرائيل وبسيادتها.

سيادة وظيفية

مخطط ترامب أكثر سخاء تجاه إسرائيل من مخطط الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وكذا من اقتراحات مختلفة بحثت في مسيرة أنابوليس. فقد سعى كلينتون لإحلال السيادة الفلسطينية على كل الأحياء العربية في شرقي القدس بما في ذلك على معظم البلدة القديمة وحول البلدة القديمة (باستثناء الحي اليهودي ومناطق قليلة أخرى). في مسيرة انابوليس (التي شاركت فيها حكومة أولمرت في عامي 2007 ـ 2008) جاء الحديث عن إقامة نظام وصاية تشارك فيه خمس دول في البلدة القديمة وفي الحوض المقدس.
أما مخطط ترامب، بالمقابل، فيبقي بيد إسرائيل السيادة على البلدة القديمة ومنطقة الحوض المقدس، وإلى جانب ذلك يتحدث عن إشراك الفلسطينيين في إدارة هذا المجال. أما الإصطلاح الذي استخدم في هذا السياق فهو «سيادة وظيفية»، أي «منع صلاحيات في مجالات مختلفة، دون «سيادة عليا» التي كما أسلفنا ستبقى في يد إسرائيل. السيادة الوظيفية هي اصطلاح مع طيف واسع من الإمكانيات، بدءاً بالمشاركة الإدارية الرمزية للفلسطينيين من خلال مديريات جماهيرية أو أحياء بلدية، وحتى حكم ذاتي إداري حقيقي، برقابة وتحت سيادة إسرائيلية في مجالات: كالنظافة، والحدائق، والطرق والدين، والتخطيط المادي، والمواصلات، والاقتصاد، بل والإدارة وحفظ النظام البلدي.

أكثر سخاء لإسرائيل مما قدمه كلينتون وما جاء في مقترحات أنابوليس

في عهد رئيس بلدية القدس الراحل تيدي كوليك، جرت دراسات مختلفة في هذا المجال، وليس بالذات في سياق حل سياسي للمدينة. وكذا في معهد القدس للبحوث السياسية رسمت إمكانيات أخرى في هذا الاتجاه. بقدر ما هو معروف، استخدم الفريق الأمريكي الذي عمل على وضع الخطة هذه المواد، كمواد مساعدة ساعدته على وضع خطته.
أما إشراك الفلسطينيين في إدارة البلدة القديمة، حتى وإن لم يكن في السيادة على المنطقة، فمن المتوقع أن يثير خلافاً شديداً. فبرأي مسؤولين إسرائيليين كبار، تعد هذه وصفة لـ «الفوضى وتشويش الخطوط والصلاحيات، من شأنها أن تزيد التوتر، بدلاً من أن تبدده».
في هذه المنطقة يقع مجمع ديني وفي مئات المساجد، الكنائس والكنس التي في مركزها الحرم، الحائط الغربي وكنيسة القيامة. في البلدة القديمة يعيش باكتظاظ عال نحو 38 ألف نسمة، نحو 90 في المئة منهم غير يهود وبالأساس مسلمون وقليل من المسيحيين والأرمن، ونحو 10 في المئة يهود (نحو 3 آلاف في الحي اليهودي ونحو 1.500 آخرين في الحي الإسلامي).

الأمن قبل الانفتاح

مسألة ثقيلة أخرى بحثت بين الأمريكيين وبين إسرائيل والمحافل العربية والفلسطينية، التي عرضت عليها أجزاء من مخطط ترامب، هي طبيعة الحدود والفصل بين القدس الإسرائيلية والقدس الفلسطينية، بعد ترسيم الحدود الجديدة. والتطلع الأولي لكل الأطراف في المحادثات هو لإبقاء القدس مدينة مفتوحة؛ وحدة مادية واحدة بلا حدود، العبور بين أجزائها يبقى حراً ومفتوحاً سواء للإسرائيليين أم للفلسطينيين، حتى بعد أن يعاد تصميم حدود المدينة وتقسم السيادة فيها. ومع ذلك، ففي أوساط الأمريكيين يسود فهم بأنه في هذه النقطة ثمة فرق بين المرغوب والموجود، وذلك بسبب مشاكل أمنية قاسية تنطوي عليها الحدود المفتوحة.
لقد أعربت القيادة العسكرية والأمنية في إسرائيل عن رأيها منذ جولات المفاوضات السابقة، في صالح حدود صلبة تمنع العبور الحر وتدرج فيها عشرات المعابر ونقاط الرقابة. وهذه يفترض أن تسمح بتفتيش ناجع ومنع وتقليص للإرهاب والعمليات من جانب محافل متطرفة فلسطينية تعارض اليوم ومن المتوقع أن تعارض في المستقبل أيضاً كل اتفاق وحل وسط. في الجولات السابقة من المحادثات أخذت القيادة السياسية بموقف القيادة المهنية، ولكن ليس واضحاً ماذا سيكون بالنسبة للمخطط الحالي.
في إطار المحادثات مع الأمريكيين، عرض الطرف الإسرائيلي تحفظاته والصعوبة في تمرير خطة تقسيم من هذا النوع في الرأي العام، وطُرحت أفكار تخفف من حدة «الضربة»، مثل توسيع مساحة القدس الإسرائيلة في اتجاه معاليه ادوميم وشرقها بما في ذلك إزالة التجميد عن الخطة لبناء حي E1 (حي الربط بين القدس ومعاليه ادوميم) وكذا توسيع مساحة القدس جنوباً أيضاً إلى منطقة غوش عتصيون وبيتار (بما في ذلك إزالة تجميد البناء في جفعات همتوس) وشمالاً باتجاه جفعات زئيف وادام.
أما العنصر الثالث المركزي في بنود القدس في خطة ترامب فيعنى بالأماكن المقدسة في المدينة. المبكى يبقى حصرياً بيد إسرائيل بما في ذلك في المسار التحت أرضي له، على طول نفق المبكى حتى طرفه الشمالي وكذا الحائط الغربي في قسمه الجنوبي (الحديقة الأثرية) وبالإجمال ـ 488 متر فوق وتحت الأرض. هذا العنصر يتعارض وموقف الفلسطينيين المستعدين لأن يبقوا بيد إسرائيل نحو 60 متراً فقط من الحائط الذي يعلو ساحة الصلاة.

من سيوافق حقاً؟

في الحرم نفسه، فحص الأمريكيون إلى جانب الأطراف تغييراً يدرج في إطاره إلى جانب الأردن، في مديرية عربية ـ دينية مشتركة، دول أخرى تدير الموقع عملياً مع إسرائيل، في ظل استمرار السيادة الإسرائيلية. أما اليوم فلا يشارك إلا الأردن في إدارة الموقع، وذلك بحكم اتفاق السلام مع إسرائيل، وبحكم تفاهمات رسمية وغير رسميه بينه وبين إسرائيل. كما تعمل اليوم لجنة إسرائيلية ـ أردنية مشتركة. وهي تعنى بالكثير من المشاكل التي تثور في الحرم بين الحين والآخر، مثل أزمة البوابات الإلكترونية في صيف 2017، ومثل الأزمة الحالية في نطاق باب الرحمة، الذي حولته الأوقاف في الأسبوعين الأخيرين إلى مسجد خامس في الحرم.
مرشحون مركزيون للانخراط في هيئة إدارية ـ دينية ـ سياسية من هذا القبيل ذكروا في المحادثات التي أجراها الأمريكيون، وهم السعودية والمغرب والفلسطينيون. أما الأردن فيعارض بشدة هذه الإمكانية التي من شأنها أن تمس بمكانته العليا الحالية في الحرم، من بين المحافل الإسلامية، وهو بالأساس يعارض أن تشرك في الحرم السعودية، منافسته الأكبر على الوصاية على الأماكن الإسلامية المقدسة التي تسيطر منذ اليوم في مكة وفي المدينة.
عنصر آخر في مخطط ترامب عرض لعناية الأطراف هو «معبر آمن» ـ مكانته القانونية ليست واضحة بعد ـ بين القدس الفلسطينية والحرم.
إن موقف الفلسطينيين من مخطط ترامب، وبخاصة من بنود القدس فيه، هو رفض مطلق. موقف أجزاء كبيرة من حزب «أزرق أبيض» لغانتس ولبيد من بنود القدس في مخطط ترامب ـ إذا ما حاكمنا الأمور وفقاً للمواقف التي أعرب عنها في الماضي ـ من المتوقع أن يكون عاطفاً. موقف نتنياهو من بنود القدس في خطة ترامب ليس واضحاً.
من جهة أخرى، فهذه هي الخطة الأكثر سخاء التي يعرضها رئيس أمريكي في أي مرة على إسرائيل في موضوع القدس وهي تتضمن اعترافاً بسيادة إسرائيل في البلدة القديمة وفي الأحياء المحاذية لها. ومن جهة أخرى، فإن الحديث يدور عن تقسيم القدس ـ حتى لو استخدم تعبير معسول آخر ـ في جانبه مخاطر أمنية لا بأس بها. ترامب، كما ينبغي أن نتذكر، لم يخفِ في السنة الماضية ما يتوقعه من «مقابل» إسرائيلي لقاء اعترافه بالقدس كعاصمة إسرائيل ونقل السفارة إلى العاصمة.
إن الصدام الذي بادر إليه نفتالي بينيت مع نتنياهو في موضوع مخطط ترامب، هو على ما يبدو المقدمة للخلاف حامي الوطيس ـ القيمي، الأيديولوجي والأمني ـ الذي سيتفجر هنا حول «خطة القرن» بشكل عام وما فيه من بنود القدس بشكل خاص.

نداف شرغاي
إسرائيل اليوم 8/3/2019

قد يعجبك ايضا