بعد سقوط الطاغية… السودان يبحث عن منقذه

 

مؤخراً وبعد أن سقط رئيس السودان عمر البشير من منصبه، يمكن تخيل قضم أظافر المحللين ورؤساء أجهزة الاستخبارات في أمريكا وروسيا والصين والسعودية ومصر وإسرائيل. جميعهم يعرفون النخبة العسكرية في السودان. الكثيرون منهم، ومن بينهم رئيس الموساد يوسي كوهين، التقوا رئيس المخابرات السوداني صلاح كوش مع وزير الدفاع عوض بن العوف. عدد منهم عملوا لفترة طويلة مع عمر البشير الذي قضى ثلاثة عقود من السلطة الديكتاتورية وتم وضعه الآن رهن الاعتقال. إلى جانب قيادة جيشه ومخابراته كان الرئيس المعزول دعامة قوية أدارت هذه الدول من خلالها مصالحها الأمنية في شرق إفريقيا.
لم تكن هذه الدعامة ثابتة دائماً: علاقة الولايات المتحدة مع الخرطوم مثلاً سارت مثل قطار الجبال. الانقلاب العسكري الذي قام به البشير في 1989 ضد الرئيس المنتخب بشكل ديمقراطي، صادق المهدي، اعتبر وبحق بداية عهد مهدد. التحالف العسكري ـ الإسلامي الذي انضم فيه إلى البشير وضباطه المفكر الديني حسن الترابي، رجل الإخوان المسلمين ورئيس الجبهة الإسلامية القومية، ربط السودان بأسامة بن لادن الذي كان يقيم في السودان بين 1990 و1996 (إلى أن طرد منه بضغط من الولايات المتحدة). الشريعة الإسلامية كانت دستور الدولة. وبنية النظام استندت إلى لجان محلية تم تشكيلها في ولايات السودان وأرسلت ممثليها إلى البرلمان حسب نموذج معمر القذافي في ليبيا.
في الغرب خافوا من أن يتحول السودان إلى إيران ثانية، بفرض العقوبات عليه. مع ذلك، قبل سنتين تقريباً رفعت كل العقوبات وسارعت الـ سي.آي.ايه بفتح أحد قواعدها الكبيرة في الخرطوم. إن انقطاع السودان عن إيران وانضمامه للتحالف العربي الذي يحارب في اليمن برئاسة السعودية، غذى خزينة الدولة بـ 2.2 مليار دولار، دفعتها السعودية ودولة الإمارات. إضافة إلى ذلك، قرب السودان أكثر من الدول العربية المؤيدة للغرب. آلاف الجنود السودانيين أرسلوا إلى القتال في اليمن. والبشير الذي يوجد ضده أمر تسليم من محكمة الجنايات الدولية من العام 2009 (بتهمة جرائم حرب نفذها في دارفور)، بدأ يخرج من قصره والتجول في الدول العربية والإسلامية. ومن بين جولاته كان هو الزعيم العربي الأول الذي زار دمشق في كانون الأول الماضي، وبهذا وضع الإشارة على بداية الصدع في المقاطعة العربية التي فرضتها الجامعة العربية على بشار الأسد. كانت روسيا هي التي دفعت البشير إلى دمشق مقابل مساعدة سياسية واقتصادية لأنها أرادت إعادة بناء شرعية نظام الأسد في النظام العربي. بعد ذلك ظهرت في العاصمة السورية شخصيات من دولتي الإمارات والبحرين.
مصر تعاملت مع البشير بشك وحتى بعداء: الرئيس السوداني أيد أثيوبيا في النقاش حول تقسيم مياه النيل واتهم مصر بسرقة حصة السودان من المياه. وبموازاة ذلك كان الصراع على السيطرة في مثلث حلايب الذي يقع على الحدود بين مصر والسودان، كان عاملاً ثابتاً للمواجهة بين الدولتين. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي شن حرباً شديدة ضد الإخوان المسلمين عند توليه الحكم في 2013، كان له صراع أيديولوجي مع البشير الذي يعتمد على الإخوان المسلمين في دولته. حسب ادعاء مصر، فقد أعطى ملجأ لنشطاء الحركة الذين هربوا من مصر.
رغم هذه الخلافات فإن التحالف مع السعودية أجبر مصر على التعامل مع البشير كحليف. في بداية هذه السنة عندما التقى السيسي رئيسَ فرنسا عمانوئيل مكرون، أعلن رئيس مصر «إذا تم عزل البشير من الحكم بدون استعداد مناسب، فإن السودان سيكون دولة أخرى فاشلة». السيسي مثل قيادة السعودية، يعتبر كل احتجاج مدني تهديداً لاستقرار الدولة. عندما يقف على الأجندة سؤال هل يفضل تأييد عملية ديمقراطية أو استمرار السلطة القائمة، «الاستقرار» يملي تأييد الخصم المعروف بدل المخاطرة بـ «فوضى تأتي بعد ثورة الربيع العربي»، كما وصف السيسي نتائج الثورة في بلاده. ورغم ذلك قال السيسي أمس بأنه يؤيد إرادة الشعب، وأضاف بأنه من حق شعب السودان تقرير مصيره بدون أي تدخل أو ضغط من الخارج. من المهم معرفة موقفه إذا منح «الشعب» تأييده لحزب المؤتمر الإسلامي.
إسرائيل لاعبة ثانوية في الساحة السودانية. ومصادر أجنبية قالت إنه إلى جانب هجماتها ضد قوافل السلاح التي جاءت من إيران إلى غزة عبر السودان، هي أيضاً أقامت علاقة وثيقة مع منظمات سودانية، منها حركة تحرير السودان وحتى نظام البشيرـ عندما أرادت المساعدة في إحضار يهود أوروبا إلى إسرائيل. في السابق وردت تقارير تقول إن مبعوثاً من إسرائيل أجرى اتصالات مع نظام البشير لفحص إمكانية إنشاء علاقات مع إسرائيل. المتحدث بلسان حزب السلطة د. إبراهيم الصديق، قال رداً على ذلك في موقع «سبوتنيك» الروسي بأنه ليس هناك ما يتم الحديث عنه بشأن التطبيع مع إسرائيل وأنه لا يوجد لإسرائيل مكان في السودان. «يوجد لإسرائيل 38 منظمة عاملة في دارفور. وزعيم جبهة تحرير السودان زار إسرائيل عدة مرات»، أضاف. كما أنه قال إن إسرائيل هي التي أثارت «مسألة دارفور»، ولم يفسر قصده.

خياران: إما «محفظة» الدول المجاورة أو التحالف مع إيران

في المقابل، نشر باحثون من السودان مقالات تؤيد التقارب مع إسرائيل بسبب المصالح الاقتصادية التي للسودان في الخروج من العزلة الدولية. مؤخراً، نشر موقع «ميدل ايست آي» أن رئيس الموساد يوسي كوهين التقى في ميونيخ رئيس المخابرات السوداني وبحث معه إمكانية تغيير النظام في السودان.
شبكة المصالح الدولية هذه تمر الآن بهزة قوية في أعقاب عدم اليقين حول مستقبل القيادة العسكرية والسياسية في السودان. يتبين، قريباً، أن الضباط الذين عزلوا البشير لا يوجد بينهم تناغم. بداية عين وزير الدفاع عوف نفسه رئيساً للمجلس العسكري الذي يمكنه إدارة شؤون الدولة مدة سنتين، وكان يجب أن يكون إلى جانبه الجنرال كوش، وقائد شرطة السودان وقائد قوات التدخل السريع الجنرال محمد حمدان، ولكن حركات الاحتجاج استأنفت المظاهرات التي شارك فيها الملايين في أرجاء الدولة، وطلبوا نقل شؤون الدولة على الفور إلى حكومة مدنية مؤقتة تقوم بصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات ديمقراطية.
أمام هذا الاحتجاج قرر عوف الاستقالة، وحل محله الجنرال عبد الفتاح برهان، المراقب العام للجيش. ولكن تعيين برهان لم ينجح في تهدئة الشعب الذي يسعى إلى استغلال نجاحه في عزل البشير وعوف. «ليسقط الآخرون أيضاً»، كتب على لافتات المتظاهرين. والقصد هو أن كل الجهاز العسكري الأعلى يجب أن يعود إلى قواعده. في نهاية الأسبوع تمت صياغة مطالب مفصلة أكثر منها عقد محاكم خاصة لمحاربة الفساد وتقديم البشير وزمرته للمحاكمة وتعديل الدستور وإجراء حوار وطني يشارك فيه كل شرائح السكان وطرح خطة لإعادة إصلاح الوضع الاقتصادي الصعب في الدولة الذي كان الذريعة الأولى للاحتجاج الذي اندلع في كانون الأول الماضي.
هذه الطلبات دفعت جنرالين آخرين، كوش وحمدان، إلى الاستقالة من المجلس العسكري، ويبدو أن ذلك من أجل محاولة تبريد سخونة المظاهرات. ولكن حسب تقارير من السودان يبدو أن القصد ليس تهدئة رأي الجمهور هو الذي دفع هؤلاء الضباط إلى الاستقالة. حمدان أهين لأنه لم يعين نائباً لرئيس المجلس العسكري، في حين أن كوش الذي يطمح بأن يكون رئيساً للسودان غضب لأنه لم يعين رئيساً للمجلس العسكري. وحتى أن حمدان «اجتاز الخطوط» وأعلن أنه يؤيد طلبات المتظاهرين، ويجب عدم الانتظار لسنتين حتى تشكيل حكومة مدنية، لأنه يمكن تشكيلها خلال نصف سنة على الأكثر. التوتر بين أعضاء المجلس العسكري هو خلاف من الخلافات التي تميز قوات الأمن في السودان ـ بين الشرطة ومليشيات حرس الرئاسة، وبين القوات النظامية والقوات المحلية. وأثناء الاحتجاج صد الجيش أجهزة الأمن الأخرى ومنها الشرطة ومنعها من استخدام النار الحية ضد المعتصمين قرب قصر الرئاسة ووزارة الدفاع. للحظة اعتبر الجيش «صديقاً للشعب» إلى أن أصبح هدفاً آخر لمهاجمة الاحتجاج الشعبي.
التطورات المتغيرة في كل ساعة ما زالت تبقي أساساً واحداً ثابتاً سيضطر كل نظام سيكون في الدولة إلى التعاطي معه: الأزمة الاقتصادية الشديدة التي خلقت في البداية الاحتجاج (بسبب مضاعفة سعر الخبز بثلاثة أضعاف وتقييد سحب الأموال اليومية إلى عشرة دولارات). ورفع أسعار المنتجات بعشرات النسب المئوية. صندوق النقد الدولي يتوقع ارتفاع الأسعار بنسبة 50 في المئة على الأقل، ويقدر الدين الوطني للسودان بأكثر من 51 مليار دولار، 88 في المئة من الناتج القومي. نسبة البطالة بلغت 70 في المئة، ومعطيات البطالة تقاس بعشرات النسب المئوية.
السودان الذي فقد ثلاثة أرباع حقول النفط عند الإعلان عن استقلال جنوب السودان في 2011، يحاول الحصول على القروض والهبات. هذا الأسبوع توجه بدعوة للمساعدة من الدول المجاورة، ولكن الاستجابة ضئيلة. السعودية ودولة الإمارات اللتان رعتا نظام البشير دخلتا إلى موقف انتظار حتى يتبين من المسيطر على الدولة. قطر التي ساعدت في السابق اليمن أوقفت المساعدة بعد تحالف السودان مع السعودية. صندوق النقد الدولي لا يمكنه تقديم مساعدة للسودان بسبب العقوبات الأمريكية التي ما زالت تفرض على الدولة. ولكن حتى لو رفع هذا القيد، فإن الشروط القاسية لصندوق القروض للدول المحتاجة، التي تتضمن بشكل عام المطالبة بنظام ديمقراطي وحماية حقوق الفرد وإصلاحات اقتصادية عميقة، يمكنها أن تزيد شدة العصيان المدني.
في هذا الوضع الصعب، إذا لم يحصل السودان على دعم السعودية، فمن شأنه أن يعيد تغيير حلفائه والتوجه لإيران من أجل طلب المساعدة. لا يوجد أي ضمانة بأن تقوم إيران، التي هي نفسها في أزمة اقتصادية، بالموافقة على دعم السودان أو يمكنها القيام بذلك، لكن هذا بالنسبة لها سيكون فرصة من أجل الحصول على رافعة تأثير بثمن رخيص نسبياً. من يخشى من انجرار السودان إلى أماكن نفوذ إيران مطلوب منه الآن فتح المحفظة من أجل استقرار الدولة. ولكن هذه دائرة شيطانية لأن استقرار الدولة عندما يكون الجيش هو الذي يسيطر عليها، يعني فقدان احتمالية الديمقراطية، ومن ينتظر العملية الديمقراطية أن تثمر قد يفقد السودان.

تسفي برئيل
هآرتس 14/4/2019

قد يعجبك ايضا