الصحف الإسرائيلية 8-5-2016
حافظ رئيس الشباك يورام كوهين على علاقة جيدة مع الفلسطينيين ايضا اثناء الانتفاضة الجديدة وسعى دائما الى الابتعاد بقدر الامكان عن وسائل الاعلام
بقلم: عاموس هرئيل
في يوم الاحد، بداية الاسبوع الذي ستتم فيه احداث احياء الذكرى ويوم الاستقلال، سينهي يورام كوهين 34 سنة خدمة في “الشباك”، السنوات الخمسة الاخيرة منها كان رئيسا لهذه المؤسسة. ومقارنة مع فترات الاربعة الذين سبقوه – كارمي غيلون، عامي ايلون، آفي ديختر ويوفال ديسكن – فان ولاية كوهين كانت أقل دراماتيكية. صحيح أنه في الظروف الحالية لا يوجد ضوء كامل ومتواصل في الحدود أو في الساحة الفلسطينية، لكن بمفاهيم الزمان والمكان وعلى خلفية الاشهر الاخيرة في المناطق فان هذه كانت سنوات استقرار الى حد ما، لا سيما بالمقارنة مع ما يحدث وراء الحدود على مسافة ساعتين أو ثلاث ساعات سفر من مركز البلاد.
ولاية كوهين في رئاسة “الشباك” تميزت بوجود ضئيل لوسائل الاعلام. منذ ايلون اصبحت اسماء رؤساء الشباك مكشوفة في وسائل الاعلام الاسرائيلية. في بداية التسعينيات وخلال ولاية يعقوب بيري سعت وسائل الاعلام الى التذاكي والحديث باستخدام مفردات مثل “عمل الشباك أثمر”. وبالتدريج فتحت ابواب الشباك للمؤتمرات الصحفية. وقد ألقى ديختر وديسكن خطابات هنا وهناك بمناسبة انتهاء ولايتهما. وفضل كوهين الحفاظ على مسافة بينه وبين الجمهور ووسائل الاعلام. ويحتمل أن وريثه، نداف أرغمان، سيستمر بنفس الشكل.
رغم ذلك، كان للشباك دور في اغلبية المواضيع الامنية التي شغلت الدولة في هذه السنوات. في بداية ولاية كوهين كانت صفقة شليط حيث اعطى لهذه الصفقة المصداقية المهنية. وفي عامه الاخير قام القسم اليهودي في الشباك بحل لغز قتل أبناء عائلة دوابشة في قرية دوما في الوقت الذي اهتمت فيه الوحدات الاخرى بمواجهة المخربين الافراد الذين ميزوا الانتفاضة الحالية منذ نشوبها في تشرين الاول.
ديسكن الذي سبق كوهين عارض التنازلات التي طلبت من اسرائيل من اجل اطلاق سراح جلعاد شليط في عهد اهود اولمرت وبعده، عندما كان بنيامين نتنياهو رئيسا للحكومة. ولكن في صيف 2011 وبعد تعيين كوهين بشهرين انطلق الاحتجاج الاجتماعي. وفي نهايته كان نتنياهو بحاجة الى انجاز جماهيري. وفي تلك الفترة كان الرأي العام الاسرائيلي يؤيد التوصل الى اتفاق، وكانت هناك فرصة لنتنياهو حيث أبدت حماس بعض الليونة من اجل التوصل الى الصفقة. وبأمر من رئيس الحكومة قام كوهين ومنسق المفاوضات دافيد ميدان ببلورة الصيغة التي تم في اطارها اطلاق سراح 1027 أسيرا فلسطينيا منهم 450 ملطخة أياديهم بالدماء.
الخلاف بين الاطراف تمحور حول 125 من القتلة “من العيار الثقيل”. وفي النهاية تم الاتفاق بحيث أن جزء من الاسرى الذين طالبت بهم حماس لم يطلق سراحهم. أكثر من 200 من القتلة تم ابعادهم عن شرقي القدس والضفة الغربية – الى قطاع غزة وتركيا ودول اخرى. كثير ممن أبعدوا عادوا للعمل في الارهاب من بعيد، ولكن واحدا فقط بقي في الضفة. وقد أدين حتى الآن بقتل ضابط الشرطة باروخ مزراحي، عشية عيد الفصح قبل عامين. وكانت تقديرات الشباك أنه يمكن “استيعاب التهديد”، صحيحة.
تقسيم العمل
طريقة العمل التي تبلورت في عهد ديختر وديسكن – الاعتقالات الليلية (بعضها في مناطق أ التي هي تحت السيطرة الفلسطينية) وبعد ذلك التحقيق، المزيد من الاعتقالات والمحاكمات – استمرت بفعالية ايضا اثناء ولاية كوهين. ماكينة الاحباط “كاسحة العشب” أثبتت نفسها. لكن الصورة عن الشباك أنه قادر على فعل كل شيء، وقادر على منع كل عملية أو الكشف عنها بسرعة البرق بعد حدوثها، تعرضت الى ضربة في قضية خطف وقتل الفتيان الثلاثة في غوش عصيون في حزيران 2014.
لقد احتاج الشباك في حينه الى ثلاثة اسابيع من اجل العثور على الجثث. وأكثر من شهرين من اجل الوصول الى اثنان من حماس شاركا في عملية القتل، وقتلهما. الشرطة هي التي تعرضت للنار في وسائل الاعلام بسبب طريقة تعامل استعلامات الشرطة مع المكالمة من قبل المخطوفين، لكن الشباك ايضا كانت له اخطاء في القضية. وبعد العثور على الجثث بوقت قصير اندلعت الحرب في غزة وفي نهايتها الحرب الاستخباراتية: تبادل الاتهامات بين الشباك والاستخبارات العسكرية. وتبين فيما بعد أن الشباك كانت أقرب لفهم التحضيرات التي قامت بها حماس. ورغم أن الاستخبارات العسكرية بقيت على موقفها بأن حماس قد جُرت للمواجهة بسبب مجموعة من الاخطاء في الفهم لدى الطرفين، هذا الخطر الذي تأكد هذا الاسبوع مجددا عندما تصاعدت حرارة الحدود مع غزة.
في الصيف الماضي، بعد القتل في دوما، كان الشباك عرضة للانتقادات. التساهل مع اليمين المتطرف هو الذي سمح له بالتقدم من حرق المساجد والكنائس الفارغة نحو قتل عائلة فلسطينية وهي نائمة. اصحاب الاقلام في الصحف قالوا إن كوهين لا يمكنه، ويمكن أنه لا يريد، حل موضوع القتل. لكن كوهين والشباك نجحا في الاختبار. وتم بذل جهود في التحقيق واعتقل مشبوها بالقتل وتم تقديم لائحة اتهام ضده بعد أن تم وللمرة الاولى استخدام اساليب تحقيق استثنائية (التعذيب). وفي نفس الوقت تم التقدم في حل احداث الحرق والهجمات الاخرى واتخذت خطوات مشددة ضد الفاعلين – الاعتقال، والاعتقال الاداري والابعاد – ضد عشرات النشطاء من “مجموعة التمرد” من تلال السامرة التي وقفت وراء معظم العمليات الارهابية اليهودية.
لكن قبل حل قضية دوما، اندلعت في تشرين الاول الماضي الانتفاضة الجديدة التي تميزت بالعمل الغير منظم للمخربين الشباب. وقد احتاج الجيش والشباك الى بعض الوقت من اجل بلورة طرق عمل جديدة. ولكن في الاشهر الاخيرة يمكن ملاحظة تراجع عدد العمليات والمصابين رغم أنه ليس مؤكدا أن تكون هذه مسألة مؤقتة.
إن بعض التغيير يمكن نسبه الى عمل الشباك والاستخبارات العسكرية على الشبكات الاجتماعية الفلسطينية، حيث يترك الكثير من المخربين علامات حول نواياهم. العنصر المكمل هو التحسن في عمل الاجهزة الامنية الفلسطينية. في الجيش الاسرائيلي يعتبرون أن افشال العمليات هو بفضل 90 في المئة عمل اسرائيلي و10 في المئة عمل فلسطيني في بداية الاحداث، وبعد ذلك 40 في المئة عمل فلسطيني و60 في المئة اسرائيلي في الوقت الحالي. كوهين ايضا مثل قادة الجيش يدرك اهمية التنسيق الامني، كما قال لوزراء الحكومة في جلسة الوداع أول أمس.
على مدى سنوات خدمته حافظ كوهين على علاقات عمل جيدة مع نظرائه في الطرف الفلسطيني. في ربيع 2014 بعد كشف الشباك لخلية واسعة لحماس في الضفة خططت لعمليات ضد اسرائيليين وتحضيرات أولية للانقلاب على السلطة الفلسطينية، تم ارسال رئيس الشباك لعرض هذه التفاصيل على الرئيس الفلسطيني محمود عباس. الأدلة ومنها تسجيلات للتحقيق مع أحد المشبوهين، كانت كما يبدو مقنعة جدا. أقنعت عباس بانتهاج خط متشدد جدا تجاه حماس خلال الحرب التي اندلعت في القطاع بعد شهرين.
شِرك الاسمنت
كوهين لم يحتج في الاشهر الاخيرة على سياسة وزير الدفاع موشيه يعلون ورئيس الاركان غادي آيزنكوت الذي كبح مطالبة بعض السياسيين بالعقاب الجماعي في الضفة والغاء تصاريح العمل في اسرائيل. مع ذلك، اجهزة الامن المختلفة تقدم تقديرات متشابهة: الهدوء النسبي ما زال مهددا حيث أن عملية ارهابية يهودية كبيرة أو حدث خطير في الحرم أو هجوم ارهابي فلسطيني فيه الكثير من المصابين، قد يهدد هذا الهدوء. وعندما نضيف للمعادلة صراع الوراثة المتصاعد في السلطة على خلفية ضعف أبو مازن، فليس غريبا أن التوقعات ما زالت سلبية خصوصا أنه لا يوجد أي أفق سياسي.
نهاية الاسبوع الماضي لكوهين شهدت التصعيد في القطاع. يوم أمس كان الاكثر سخونة منذ انتهاء الحرب الاخيرة في نهاية آب 2014. التهديدات التي ترسلها حماس الآن واضحة جدا: حماس تزعم أن اسرائيل تخل بالتفاهمات التي تحققت في نهاية الحرب والتي تقول إن من حق اسرائيل القيام بعمل هندسي غرب الجدار فقط على عمق 100 متر داخل المناطق الفلسطينية. وحماس تهدد ايضا باطلاق قذائف قد تفاجيء اسرائيل.
الجيش الاسرائيلي ينفي مدعيا أن الجرافات التي تبحث عن الانفاق لم تتجاوز المنطقة المتفق عليها. في ليل يوم الاربعاء بدأت مصر بالتوسط بين الاطراف في محاولة للتهدية. وأمس صباحا اعلن الجيش الاسرائيلي أنه كشف عن نفق آخر وهو الثاني خلال شهر بجانب الجدار في جنوب القطاع. مع ذلك، هناك انطباع أن حماس مثل اسرائيل تفضل الآن الامتناع عن المواجهة الشاملة. وحسب تقديرات اسرائيل، فانه يفضل التعاطي الآن بحذر وشك. أول من يعترف بذلك هم رجال الاستخبارات انفسهم الذين فشلوا مرات كثيرة في معرفة التحولات في مواقف حماس قبل الحرب الاخيرة على غزة.
العمل الاستخباري للكشف عن الانفاق يتم بشكل مشترك بين الشباك والاستخبارات العسكرية (كما يفعل الطرفان بشكل مشترك في متابعة نشاطات ذراع داعش في سيناء). أعلن رئيس الحكومة قبل اسبوعين أن اسرائيل وجدت حلا تكنولوجيا يسمح بالكشف عن الانفاق وتدميرها، لكن من الواضح أن الكشف عن الانفاق وتدميرها يرتبط بنوعية المعلومات طالما أن العائق لم يستكمل بعد على طول الحدود.
ما زالت الانفاق هي المشروع الاساسي لحماس حيث أنها تستثمر مبالغ طائلة في بنائها، وكذلك مواد البناء التي تصل من الضفة واسرائيل. قبل أكثر من سنة اكتشف الشباك، متأخرا، ثغرة في الحماية. تبين أن تجار فلسطينيين من القدس والضفة وبمساعدة تجار يهود من النقب، يقومون بتهريب مواد ثنائية الاستخدام عن طريق معبر كرم أبو سالم وتستفيد منها حماس من اجل اعمار الانفاق وصناعة السلاح. اسرائيل الآن حذرة أكثر، والبرهان على ذلك هو قرار وقف ادخال الاسمنت الى القطاع في الشهر الماضي، بعد أن تبين أن حماس تستخدمه في بناء الانفاق. في المقابل من الواضح أن تفاقم الازمة الاقتصادية في غزة اضافة الى النقص في المياه والكهرباء. كل ذلك يزيد من خطر الحرب.
ورغم التصعيد، فان المستوى السياسي والاجهزة الامنية سيناقشون بعض التسهيلات الاقتصادية من اجل تحسين الشبكة المدنية في القطاع. وسيطرح مجددا اقتراح اسرائيل كاتس اقامة ميناء عائم على شاطيء غزة. الجيش لا يعارض ذلك، ومع ذلك فان فرصة تحقيق هذا المشروع في الظروف السياسية الحالية، ضعيفة.
هآرتس