رسالة من متقاعدٍ منتمٍ موالٍ إلى قائد الوطن

بقلم: العميد المتقاعد هاشم المجالي

…………..

سيدي القائد.

ما هذه الكلمات التي أخطّها بدماء القلب قبل حبر القلم، إلا صدىً لأنينٍ يتردّد في صدور كثيرين ممن أفنَوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن، وحملوه في أعماقهم عقيدةً لا شعارًا، ووفاءً لا تزلفا ولا ادّعاء.

لستُ أتحدث عن نفسي وحدي، بل عن شريحةٍ واسعةٍ تشاركني هذا الشعور، وتتداول هذه الهموم علنا و خفاءٍ وبحُرقة؛ إذ أصبحنا نرى ما لم نكن نظنّ أننا سنراه يومًا. كأنّ الموازين قد اختلّت، وكأنّ القيم التي نشأنا عليها قد تراجعت أمام حساباتٍ لا نُدرك لها وجهًا.

لقد بلغ بنا العجب مبلغًا جعلنا نتساءل في مرارة: أأخطأنا نحن حين تمسّكنا بولائنا وهم اصابوا حين تمردوا وعارضوا ؟ أم قصّرنا حين صدقنا العهد، وأخلصنا العمل، ووقفنا سدًّا منيعًا في وجه كل من نال من الوطن وهيبته؟ كيف صار من كان بالأمس لاشيء واليوم يرفع صوته سبًّا وشتمًا، صار يُستقبل استقبال الأبطال، وتُفتح لهم الأبواب، وتُذلّل أمامهم العقبات، بينما يُترك من حملوا الراية وأقسموا عليها ، ودافعوا عنها، يواجهون ضيق الحياة وقسوة الإهمال؟

سيدي،

إننا لا نطلب جزاءً ولا نبتغي ثناءً، ولكننا نرجو عدلًا يرفع عنا هذا الشعور بالغبن، ويعيد إلى نفوسنا الطمأنينة التي كانت تسكنها. لقد أصابتنا جراحٌ بعضها في الجسد ولم تهزنا او تغيرنا ، ولكن جراحنا التي اوجعتنا هي ما كانت بالنفس، حين رأينا حقوقنا تُؤجَّل، وحاجاتنا تُهمل، وأبواب المسؤولين تُغلق في وجوهنا، فلا نجد إلا عباراتٍ جوفاء تُقال لنا، ثم نمضي كأن شيئًا لم يكن ،لقد صغرنا أمام أولادنا بسببهم ، واحرجنا أمام اصدقائنا بخذلانهم لنا ، وكأن النجوم التي كانت تتلالا على اكتافنا كانت وهما أو حلما في عيونهم وعيوننا .

سيدي القائد،

إن أقسى ما يعتصر القلب ليس ضيق العيش وحده، بل الشعور بأن من وثقنا بهم لم يكونوا على قدر تلك الثقة؛ وأن التوجيهات السامية التي نؤمن بها لا تجد طريقها إلى التنفيذ كما ينبغي. وإن كان في القول جرأة، فإن في الصمت وجعًا أشد، وفي السكوت ضياعًا لا نرضاه لأنفسنا ولا لوطننا.

نحن، يا سيدي، ما زلنا على العهد، لم تُغيّرنا الأيام، ولم تُبدّلنا المحن. ندعو لكم في صلواتنا صبح مساء ، ونرجو أن يُهيّئ الله لكم بطانةً صالحةً صادقة، تُعينكم على الحق، وتكون عونًا للوطن وأهله، لا عبئًا عليهم ، ونسأل الله أن تتيدل بطانتكم التي ما سارت على طريق الخير بخطاهم ،

هذه كلماتٌ خرجت من قلبٍ وقلوب مُثقلة ، لا نريد إلا أن يُسمَع لها ، ولا تبتغي إلا إنصافًا يعيد للوفاء قيمته، وللتضحية معناها.

انا اعلم ان هذه الكلمات في هذه الرسالة قد تذهب ادراج الرياح وقد لا يكون لها صدى في وديان الضباع ،ولكنني سأشهد الله ومن يعاني معي منها بأنني قد تكلمت وكتبت ولم أصمت .

والله من وراء القصد.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا