حين يتصدر التافهون المشهد… من يسرق وعي الناس؟

محي الدين غنيم  …..

 

ليست الكارثة في وجود شخص جاهل أو محدود الثقافة يحاول اقتحام الشأن العام، فالمجتمعات عبر التاريخ عرفت مثل هذه النماذج، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يجد هذا الشخص جيشًا من المصفقين والمطبلين والمنافقين الذين يصنعون منه رمزا، ويمنحونه حجمًا لا يستحقه، حتى يتحول الوهم إلى واقع، والصوت المرتفع إلى سلطة تأثير.

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد معيار الحضور هو العلم، ولا معيار التأثير هو الحكمة، بل أصبح عدد المتابعين، وكثرة المشاركات، وضجيج التعليقات، أدوات تصنع نجومية زائفة لأشخاص لا يملكون من الفكر إلا الشعارات، ولا من المعرفة إلا ما يلتقطونه من عناوين عابرة أو مقاطع سطحية.

المؤلم ليس أن يتحدث التافه في قضايا الوطن أو المجتمع أو السياسة أو الثقافة، فلكل إنسان حق التعبير، لكن الخطر الحقيقي حين يجد من يزين جهله، ويبرر أخطاءه، ويصور سطحية حديثه على أنها عبقرية، فقط لمصلحة شخصية، أو خوفًا من خسارة النفوذ، أو بحثًا عن مكان في دائرة الضوء.

هؤلاء المنافقون لا يقلون خطرا عن أصحاب الجهل أنفسهم، لأنهم يساهمون في تضليل الرأي العام، ويخلطون بين القيمة الحقيقية والزيف المصنوع. ومع الوقت، يبدأ الناس خصوصًا الأجيال الأصغر بالخلط بين صاحب الفكر وصاحب الضجيج، وبين المثقف الحقيقي وصانع المحتوى الفارغ.

وحين يصبح التافه مرجعًا، والمنافق صانعًا للرأي، فإن أول الضحايا يكون الوعي الجمعي، وتصبح الحقيقة غريبة في وسط يصفق للوهم.

إن أخطر ما يمكن أن تمر به المجتمعات ليس نقص الإمكانات، بل اختلال المعايير… يوم يُهمَّش أصحاب الكفاءة، ويُرفع أصحاب الفراغ، ويُقدَّم التهريج على أنه فكر، والضجيج على أنه تأثير.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية. ليس لأن التافه تكلم… بل لأن كثيرين قرروا أن يمنحوه المنصة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا