قبل أن نفقد مزيدا منهم!

أخيرا، استفاقت تركيا؛ مدركة أن الحرب على التطرف عموماً، وتنظيم “داعش” خصوصاً، هي حربنا جميعا. إلا أن ذلك لا يمنع من التذكير بدور أنقرة الخطير في تقوية التطرف وتوسيع دائرته.
تحرك تركيا الذي ينطوي على تغيّر في مواقفها السابقة، ربما لا ينفصل عن المبادرة الروسية الإقليمية للتخلص من “داعش”. لكنه لا يلغي حقيقة أن عدد الإرهابيين الذين مروا بأراضيها كان بالآلاف، منهم بعض من شبابنا.
أردنيا، غادر كثير من الشباب البلد للانضمام إلى جماعات التطرف. والطريق باتت معروفة للجميع؛ تركيا التي ظلت تتذرع لسنوات بأنها غير قادرة على ضبط عمليات تسلل الإرهابيين إلى حيث يحبون في سورية.
وآخر القصص التي سمعتها هي عن شابين أردنيين حاولا التوجه إلى هناك للانضمام إلى “داعش” لاحقاً. لكن المعلومات الأمنية حالت دون ذلك، فتم توقيفهما في المطار قبيل مغادرتهما المملكة.
بالتفصيل، كان أحد الشابين يحمل سجلا معروفا لدى الجهات المعنية، فيما الشاب الآخر تم “اصطياده” من قبل مروجي هذا الفكر في الأردن. وكانت الخطة تقضي بتوجههما إلى تركيا، ومنها إلى سورية.
لكن في المطار، تم ضبط الشاب صاحب السجل المعروف بترويجه لأفكار التطرف، وألقي القبض عليه. وفيما سمح للشاب الآخر “المستجد” بالسفر، إلا أن خوفه وتردده في مواصلة رحلته، كانا كفيلين بفضح أمره، فتم التحفظ عليه هو الآخر، وأعيد إلى أهله.
الصدفة وحدها كشفت مخطط “الصيد الجديد” لأهله، الذين كانوا يجهلون حتى نيته السفر. ولولا ذلك لأصبح اليوم في صفوف الإرهابيين.
الملاحظ أن الأهل بعد اكتشاف القصة، بدأوا يتحدثون عن تغير أصاب ابنهم، وتحولات في شخصيته، كانوا رصدوها خلال الأشهر القليلة الماضية؛ منها قضاء فترات طويلة في المسجد، والاستماع لدروس دينية، من دون أن يدركوا أن الفكر المتطرف تمكن من الطالب الجامعي في كلية الهندسة.
الخطورة طبعاً هي في أن يُترَك الشباب صيدا سهلا لمروجي الفكر المتطرف. والمريح أن الجهات المعنية تقوم بعملها، وتتوفر لها معلومات عنهم تساعد في إنقاذ شبابنا من رحلة الموت التي كانت تمر، بالضرورة، من تركيا.
كثيرة هي القصص التي تُحكى في هذا المجال؛ عن كيفية التغرير بشباب أصبحوا اليوم في سورية والعراق، فيما باتت طريق العودة صعبة، إن لم تكن مستحيلة.
التغير الاستراتيجي في الموقف التركي كفيل بإغلاق بوابة كبيرة كانت مشرعة للمتطرفين. لكن تبقى الحلول مؤجلة محليا، وتتعلق بكيفية حماية الشباب من التطرف وتنظيماته الإرهابية. إذ صحيح أن الدور الأمني والاستخباري هو الأهم في هذه الفترة، لكنه لا يكفي وحده. فالمطلوب هو إجراءات وقائية تحصّن الشباب من الوقوع في أيدي الإرهابيين، حتى لو كانت كل الأبواب مشرعة أمامهم للذهاب إلى مناطق تمركزهم ونفوذهم.
من جديد، فإن المضيّ في مسيرة الإصلاح ضرورة. وهي كما قال جلالة الملك، لن تتعطل بسبب الظروف الإقليمية. بل ولعل الحاجة صارت ماسّة لتسريعها، بغية خلق بيئة مواتية تحمي شبابنا من التطرف، وتجنبهم الإعجاب بهذه الأفكار الإرهابية، هروبا من التهميش والإقصاء.
ربما أغلقت تركيا بوابتها، بعد أن أصابها ضرر مباشر من الإرهابيين. لكن الخشية هي من أن تظهر بوابات جديدة توصل شبابنا إلى حتفهم. أما الأخطر من ذلك، فهو أن يبقوا بفكرهم الإرهابي بيننا، من دون علاج.

قد يعجبك ايضا