“كابوس غريغور سامسا”

قصي لوباني
من قرأ رواية “التحول” الشهيرة للكاتب التشيكي الغامض “فرانس كافكا”..سيعرف تماما ما سأخوض في صدده…
غريغور سامسا…هذا الشاب الذي استفاق من نومه بعد كابوس مزعج ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة كريهة ضخمة..
وحسب الرواية..يعاني بعدها الشاب أو ما غدا عليه..يعاني من صعوبة التأقلم مع واقعه الجديد، ويمارس ضده أقسى أنواع الاضطهاد من عائلته نفسها..ليلفظ بعد قصة معاناة طويلة أنفاسه الأخيرة..مسلما الروح المعذبة لخالقها…
أما الكابوس الذي قض مضجع “غريغور” وقلب حياته رأسا على عقب، فلم يتطرق “كافكا” لماهيته..إنما اكتفى بالولوج إلى ما تلاه مباشرة…
وربما آثر الكاتب التشيكي أن يترك مساحة حرة للقارئ كي يفكر الأخير على طريقته الخاصة..بل ويستنبط شيئا ما من حكم القدر القاسي بحق “سامسا”..أي من الكابوس ذاته..
وأنا أتفق مع “كافكا” حول نقطة رئيسية لفت الانتباه إليها من خلال قصته، ألا وهي نظرية “انعكاس المحيط..وانقلابه على نفسه”..أما المحيط..فكان البيئة الحاضنة لبطل الرواية…والتي فضلت إقصائه بعد الذي وصل إليه من تحول جذري طرأ على جسده… ما يستحضر نظرية أخرى هي “المنفعة”..والنظر للإنسان باعتباره ليس أكثر من مجرد آلة..تخدم ما حولها ..ولمجرد إصابتها بأي عطب..تغدو كائنا غير مرغوب به…بل ويستحسن أن تتم إزالته من الوجود…ما من شأنه أن يخلق متسعا آخرا لآلة أخرى…أو كائن آخر..أو حتى جمادا آخرا..قد يكون ذا منفعة ولومؤقتة “للمحيط”..كالمزهرية مثلا..وبعد ذبول أوراقها وبهتان ألوانها ستؤول إلى المصير عينه..وعندها سيضطر ذلك لتبديلها بشيء آخر وهكذا وهكذا….
إذا..لا مكان للإنسان في عالم لم تعد ميزة الانسانية تؤثر فيه…وحق العيش والاحترام مكرس فقط لأشخاص معينين دون غيرهم..وضمن شروط محددة..وإلا فالجميع إلى الهاوية…
نعم…الجيب المتنقل والذي يحمل في جعبته بنك التقارب الخاص..يسد رمق التواقين دائما للمنفعة.. وعليك عزيزي أن لا تفكر أبعد من مصلحتك الشخصية..ولو على حساب أخيك ابن أبيك وأمك…ولا تنسى أن تكافئ نرجسيتك ببعض من المدح الذاتي…واعترافك الصريح على الدوام بأنك “براغماتي” .. و “الكسب” .. هو غايتك المثلى في الحياة..حتى بلا مقايضة..مع براعة تصرفك في ذلك..واحتفاظك برأس مالك بلا تطفل منك لاقتناص ولو “سنت”واحد منه..
آه كافكا…فصورة “دوريان غراي” تحضرني الآن…وما اختلافك مع “دوماس″ الا الفارق الزمني بين عالمك وعالمه…
ذات الغموض كان ماض في تتابع منظم..والوحش الذي اخترق روح “دوريان” وذكره بماضيه الأسود المتسخ القذر…عاد مجددا على شكل كابوس استفاق منه “غريغور” ليرى ضلال من حوله كامنا في جسده…وكيف استغنى “المتكسبون” عن خدماته وقت إصابة بنكهم المتنقل بذاك الشلل الخلقي النادر الحصول…والذي اعتبروه اختلاسا ضمنيا وتحيزا نحو الاستفراد بالمنفعة وراء جدار الخنفساء “الصلب”…فما كان منهم إلا اضطهادها..عساها ترجع لما كانت عليه..ولكن حكم القضاء قطع دابر آمالهم…وأما التجاهل المتعمد لإنسانيته..إذ أفضى في النهاية لموته المحتم…كأي حشرة كريهة أخرى…!!!
الكابوس امتد بالفعل إلى ما وراء الزمن بأزمان…ورأس المال بات دولة بقوتها امتلكت مصائر ما تبقى من دول تعيش تحت ظلال جناحيها…بينما لا يفتك آخرون الظفر بالربح الفائض من أشباه “دوريان”…ممن باعوا أنفسهم لشياطينها…واستعاضوا عن عقارب الساعة ب قلم وممحاة..الاول يكتب خطيئته…والثاني يسارع لطمسها..كما يطمس الآثمون خطاياهم ب “معية” الفتوى الحلال..لما ارتكبوه من إثم حرام…اجتهادا في الدين والحياة..وطبعا لا تطبعا…وتحولا…أفظع من تحول “سامسا” وجل كوابيس “كافكا” برمتها…
أثينا

قد يعجبك ايضا