فادي السمردلي يكتب: تضارب المصالح تهديد صامت للنزاهة والثقة في المؤسسات
بقلم فادي زواد السمردلي. …..
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
👈 *المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉
يعني تضارب المصالح ببساطة أن يُكلَّف شخص بخدمة الصالح العام، بينما تكون قراراته مرهونة بمصالحه الخاصة فهو ذلك الوضع غير الأخلاقي الذي يجعل المنصب أداة للمنفعة الشخصية، لا مسؤولية لخدمة المجتمع ولا تكمن خطورته فقط في نتائجه، بل في كونه يُمارَس غالبًا تحت غطاء “القانون” أو “الاجتهاد الإداري”، وكأن الانحياز يصبح مقبولًا ما دام لا يُعلَن صراحة وفي الحقيقة، تضارب المصالح هو البوابة الأكثر شيوعًا للفساد المقنّع، وهو العذر الأضعف والأكثر استخدامًا لتبرير قرارات غير عادلة.
فما يجعل تضارب المصالح أكثر خطورة هو تطبيعه داخل المؤسسات وحين يصبح أمرًا مألوفًا، وحين يُنظر إليه كـ”وضع طبيعي” أو “أمر لا مفر منه”، تتحول المؤسسة إلى مساحة مغلقة تحكمها العلاقات لا القوانين، والمصالح لا الكفاءة وهنا لا يعود السؤال من هو الأجدر؟ بل من هو الأقرب؟ ومن يملك النفوذ؟ ومن يستطيع تمرير القرار؟ وفي هذه اللحظة، تسقط كل الشعارات عن النزاهة والشفافية، وتتحول إلى مجرد لافتات دعائية بلا مضمون.
الضرر الحقيقي لتضارب المصالح لا يقع فقط على ضحاياه المباشرين، بل على فكرة العدالة نفسها فعندما يرى المواطن أو الموظف أن القرارات تُفصَّل على مقاس أشخاص بعينهم، يفقد إيمانه بأن الجهد والكفاءة يمكن أن يكونا طريقًا للإنصاف ويحل مكان هذا الإيمان شعور بالإحباط واللاجدوى، بل وقد يتحول إلى قناعة بأن الالتفاف على النظام هو السبيل الوحيد للبقاء وهكذا، لا يُنتج تضارب المصالح فسادًا إداريًا فقط، بل يُنتج مجتمعًا فاقدًا للثقة، متصالحًا مع الظلم، ومُهيأً لتكرار الانتهاكات.
الأخطر من ذلك أن تضارب المصالح غالبًا ما يُدار بصمت متواطئ فالقادرون على كشفه يصمتون، إما خوفًا من العواقب، أو يأسًا من التغيير، أو لأنهم جزء من المنظومة نفسها وتُترك المؤسسات بلا محاسبة حقيقية، بينما يُطلب من الجمهور تصديق روايات عن النزاهة والانضباط وهذا الصمت لا يقل خطورة عن الفعل ذاته، لأنه يسمح بتجذّر السلوك الخاطئ وتحوله إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم القرارات والممارسات.
وفي القطاعات الحساسة ، يصبح تضارب المصالح جريمة أخلاقية مكتملة الأركان تضرب أسس الثقة المجتمعية وهنا لا يكون الضرر محدودًا، بل واسع الأثر، لأن النتائج تطال وعي الناس، وعدالة الأحكام، ومصداقية المعرفة.
الحديث عن مكافحة تضارب المصالح دون إجراءات حقيقية ليس سوى خطاب تجميلي فلا جدوى من لوائح لا تُطبَّق، ولا من قوانين تُستثنى منها النخب، ولا من شعارات تُستخدم لتلميع الصورة فالمطلوب هو مساءلة فعلية، وإفصاح إلزامي، وحماية حقيقية لمن يكشفون التجاوزات، قبل أن تتحول المؤسسات إلى كيانات مغلقة لا تخضع إلا لمصالح القلة المتحكمة فيها.
في النهاية، يجب القول بوضوح: تضارب المصالح ليس خطأ إداريًا عابرًا، بل انحراف أخلاقي خطير، وإذا استمر التساهل معه، فلن تكون الخسارة في قرار أو منصب، بل في الثقة العامة ذاتها فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطىء حين يصبح الظلم مقبولًا، والانحياز مبررًا، والنزاهة استثناءً نادرًا ومتى ما فُقدت الثقة، فلن تُجدي أي إصلاحات شكلية في إنقاذ ما تبقى.
الكاتب من الأردن