حين يتوقف المنبه….. تبدأ الاسئلة التى لم يكن لها وقت من قبل

بقلم : منى النحلاوي  ….

 

حين يتوقف المنبه…صدمة الهوية بعد التقاعد

في أول يوم بعد التقاعد…. وفي الليلة الأولى من التقاعد، وضعتُ المنبّه على الساعة السادسة صباحًا حتى أتهيأ للذهاب إلى العمل، وكان كل ذلك يحدث في عقلي الباطن، وكأنني سأذهب بالفعل إلى عملي.
رنّ جرس المنبّه، فاستيقظتُ من نومي، وذهبتُ لإعداد فنجان القهوة استعدادًا للخروج، وإذا بي أقف أمام لحظة صدمة صامتة.
صدمة مرعبة في بساطتها، لكنها عميقة في حقيقتها.

كان هناك ارتباك داخلي، لأنك يا عزيزي تعوّدت على نمط حياة معيّن طوال سنوات طويلة، وإذا فجأة كل ذلك انتهى، فتقف لتتساءل: من هي هويتي؟

الصدمة – يا سادة – ليست لأن العمل انتهى، بل لأن إيقاع الزمن الذي اعتدتُ عليه، والذي حكمنا لسنوات، قد توقّف فجأة، وكأن الزمن قد وقف هنا.
التقاعد لا يعلن عن نفسه بضجيج، بل بصمت قاتل.
صمت لا يملؤه الزمن، بل تملؤه الأسئلة:
من أنا دون وظيفتي؟
ما هو الدور الذي سأقوم به بعد وظيفتي؟
ما هي قيمتي خارج إطار مكتبي؟
هل سأسمع رنّة الهاتف مرة أخرى؟
كيف سأقضي وقتي؟
هل ما تبقّى من العمر انتظار أم بداية؟

كلها تساؤلات تخطر على بالك…
لقد تعوّدنا، خلال سنوات مضت، أن نُعرّف أنفسنا من خلال وظائفنا، فنقول: أنا المدير، أنا المسؤول، أنا الموظف.
وفجأة تُسحب هذه الألقاب، وكأن جزءًا من هويتنا قد انتُزع دون إنذار سابق.
إن صدمة التقاعد ليست مالية ولا اجتماعية، وإنما هي صدمة هوية.
عندما يعتاد العقل على الأوامر، والمواعيد، والاجتماعات، ووضع الأهداف والاستراتيجيات، ثم ينتهي كل ذلك فجأة، تجد نفسك في فراغ مفتوح تتساءل فيه: من أنا… دون تعليمات؟
والذي يزيد من صدمة وتعقيدات التقاعد، أن المجتمع ينظر إلى كلمة متقاعد وخلفها نبرة خافتة، هي نبرة ختام لا نبرة عبور، وكأن الحياة قد انتهت هنا، وتُطوى صفحاتها مع آخر يوم عمل، ولا تُفتح أبواب جديدة.
والحقيقة أن المنبّه لم يكن ينظّم حياتنا، بل كان يقيّدها، ولا نكتشف ذلك إلا بعد وقت طويل.
صحيح أن التقاعد متعب في البداية، ومؤلم، وكأننا نقف على أرض بلا خريطة ولا حدود، لكن هذه الأرض نفسها تحمل لك إعادة تعريف لحدودك وخريطتك، وتحمل فرصة نادرة؛
وهي فرصة إعادة تعريف الذات بعيدًا عن الالتزامات القسرية، والأوامر التي لا ترغب بها.
حين يتوقف المنبّه، تبدأ فرصة الإصغاء للذات الداخلية، وحين لا تتوقف الأسئلة، فذلك لأن الوعي بدأ يستيقظ.
إن التقاعد لا يسألنا: ماذا كنت ومن كنت؟
بل يسألنا: ماذا تريد أن تكون؟
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي للنفس.
ليس من موظف إلى متقاعد،
وإنما من دور فُرض علينا
إلى ذات نختارها بوعي.
# التقاعد.
#اعادة تعريف الذات.
#الوعي.

الكاتبة أردنية

الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا