فادي السمردلي يكتب هل تقوم الرقابة البرلمانية بدورها الحقيقي؟

بقلم فادي زواد السمردلي …..

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

 

تُعدّ الرقابة البرلمانية جوهر العمل النيابي وأحد أهم أعمدة النظام السياسي الحديث فهي الوسيلة التي يُفترض أن تضمن خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة، وأن تمنع إساءة استخدام السلطة أو التفرد بالقرار، وأن تحمي المال العام والمصلحة العامة ولكن في التجربة الأردنية، يبرز تساؤل مشروع ومقلق في آن واحد هل تقوم الرقابة البرلمانية فعلًا بدورها الحقيقي، أم أنها باتت ممارسة شكلية تفتقر إلى الأثر؟

من الناحية الدستورية، لا يعاني مجلس النواب من نقص في الصلاحيات. فالدستور منح النواب أدوات رقابية واضحة ومباشرة، تشمل توجيه الأسئلة، وتقديم الاستجوابات، ومناقشة السياسات العامة، وطرح الثقة بالحكومة أو بالوزراء، إضافة إلى تشكيل اللجان النيابية المختلفة فهذه الأدوات، إذا ما استُخدمت بجدية، قادرة على إحداث فرق حقيقي في الأداء الحكومي. غير أن المشكلة لا تكمن في النصوص، بل في طريقة استخدامها، وفي ما يترتب عليها من نتائج.

الواقع العملي يُظهر أن جزءًا كبيرًا من الرقابة البرلمانية لا يتجاوز حدود الخطاب تُطرح أسئلة كثيرة، لكن القليل منها يُتابَع حتى النهاية وتُقدَّم استجوابات، لكنها غالبًا ما تنتهي بإجابات عامة أو وعود غير ملزمة، دون محاسبة أو تصويب فعلي أما طرح الثقة، وهو أقصى أدوات الرقابة، فأصبح حدثًا نادرًا، وغالبًا ما يكون محكومًا بتوازنات سياسية مسبقة، ما يُفرغه من قيمته كأداة ضغط حقيقية.

الأخطر من ذلك أن الرقابة البرلمانية في بعض الأحيان تُمارَس بوصفها وسيلة للظهور الإعلامي أو تسجيل موقف سياسي، لا كأداة إصلاح فيرتفع سقف الخطاب تحت القبة، ثم يختفي أثره خارجها، دون أن ينعكس على السياسات أو القرارات وهذا التناقض بين القول والفعل أضعف ثقة المواطنين بدور البرلمان، وخلق انطباعًا بأن الرقابة لا تتجاوز كونها طقسًا سياسيًا متكررًا.

أحد الأسباب الجوهرية لضعف الرقابة يتمثل في غياب العمل الحزبي والبرامجي المنظم داخل المجلس. فالرقابة الفردية، مهما كانت نوايا صاحبها، تبقى محدودة الأثر ما لم تتحول إلى جهد جماعي مؤسسي فالنائب الذي يعمل منفردًا يفتقر إلى الغطاء السياسي والاستمرارية، مما يجعل من السهل احتواء تحركاته أو تجاهلها وفي المقابل، الرقابة الفاعلة تحتاج إلى كتل سياسية واضحة، تمتلك رؤية وبرنامجًا، وتعرف ما تريد متابعته وكيف.

كما لا يمكن فصل ضعف الرقابة عن طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ففي ظل تفوق تنظيمي وخبراتي للسلطة التنفيذية، وامتلاكها للمعلومة والبيانات، يجد البرلمان نفسه في موقع أضعف، خصوصًا عندما لا تتوافر الشفافية الكافية، أو عندما تُحجب المعلومات أو تُقدَّم بشكل مجتزأ فرقابة بلا معلومات دقيقة هي رقابة منقوصة، مهما حسنت النوايا.

يضاف إلى ذلك العامل المعرفي فالكثير من الملفات المطروحة، خاصة الاقتصادية والمالية، تتطلب فهمًا فنيًا عميقًا وقدرة على التحليل وعندما تُمارَس الرقابة دون هذا العمق، تصبح سهلة التفنيد، وتفقد قدرتها على إرباك الحكومة أو مساءلتها بجدية.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الرقابة البرلمانية حققت بعض النتائج الإيجابية في محطات معينة، حيث ساهمت في كشف قضايا، وإثارة نقاش عام، ودفع الحكومة إلى التراجع عن قرارات أو تعديلها. لكن هذه النجاحات تبقى محدودة ومؤقتة، ولا تُشكّل نهجًا مستدامًا للمحاسبة.

الرقابة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأسئلة ولا بحِدّة الخطابات، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس، وبإجبار المسؤول على تحمّل تبعات قراراته فإذا لم تُربط الرقابة بنتائج واضحة، وتُدعَم بإرادة سياسية، وبيئة تشريعية تحمي النائب وتمنحه الأدوات اللازمة، ستبقى رقابة ناقصة الأثر.

في المحصلة، فإن أي حديث عن إصلاح سياسي أو إداري في الأردن لا يكتمل دون رقابة برلمانية حقيقية وفاعلة فالرقابة ليست ترفًا ولا إجراءً شكليًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة بين المواطن والدولة والسؤال سيبقى مطروحًا ما لم تتغير الممارسة: هل تقوم الرقابة البرلمانية بدورها الحقيقي؟ أم أنها ما تزال دون المستوى الذي يتطلبه الواقع والتحديات؟

الكاتب من الأردن ١

قد يعجبك ايضا