قوة نظام خامنئي: نموذج مختلف للسلطة وإدارة الصراع في السياسة الدولية
غنى شريف …..
تُقاس القوة في العلاقات الدولية غالبًا بمؤشرات تقليدية مثل حجم الاقتصاد، عدد الجيوش، أو امتلاك السلاح النووي. غير أن تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما في ظل قيادة المرشد الأعلى علي خامنئي، تفرض إعادة النظر في هذه المعايير. فإيران، رغم غياب السلاح النووي، استطاعت أن تبني نفوذًا إقليميًا واسعًا، وأن تتحول إلى فاعل مركزي في معادلات الشرق الأوسط، بل وإلى مصدر قلق دائم للقوى الكبرى.
يعتمد نظام خامنئي على استراتيجية صراع غير مباشر تقوم على الاستنزاف طويل الأمد بدل الحسم السريع. فإيران لا تبحث عن نصر عسكري تقليدي، بل عن إضعاف الخصم تدريجيًا عبر الزمن. ومن هنا جاء اعتمادها على شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، ضمن نموذج الحروب بالوكالة. هذا الأسلوب سمح لطهران بتوسيع نفوذها من دون الدخول في مواجهة مباشرة شاملة قد تكون مكلفة أو مدمّرة.
ما يميز نظام خامنئي عن غيره من الأنظمة السياسية هو الدمج بين الأيديولوجيا والبراغماتية. فالخطاب الثوري المعادي للولايات المتحدة ليس مجرد أداة تعبئة داخلية، بل جزء جوهري من هوية النظام وشرعيته. المواجهة مع أميركا ليست عبئًا سياسيًا يسعى النظام إلى التخلص منه، بل عنصرًا تأسيسيًا يبرر استمرار السلطة ويعيد إنتاجها. في هذا السياق، يتحول الصراع إلى حالة دائمة، لا أزمة طارئة، ما يمنح القيادة الإيرانية قدرة استثنائية على الصبر والمناورة.
وقد برزت هذه القدرة بوضوح خلال المظاهرات الأخيرة التي شهدتها إيران، والتي حاولت الولايات المتحدة استغلالها للإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية أو إضعافه من الداخل. فقد جرى تقديم هذه الاحتجاجات، في الخطاب الإعلامي الغربي، على أنها لحظة مفصلية ونقطة بداية لانهيار النظام. غير أن ما حدث لاحقًا شكّل مفاجأة للعالم أجمع، إذ لم تتطور الاحتجاجات إلى مسار إسقاطي شامل، بل جرى احتواؤها سياسيًا، لتتحول في مراحل لاحقة إلى مظاهرات مضادة داعمة للنظام.
نجح نظام خامنئي في إعادة تأطير المشهد الداخلي، من احتجاج اجتماعي أو سياسي إلى معركة سيادة وطنية في مواجهة التدخل الخارجي. وقد أسهم الدعم الأميركي العلني للمحتجين في تعزيز سردية النظام حول “المؤامرة الخارجية”، ما دفع شرائح واسعة من المجتمع الإيراني إلى الاصطفاف خلف الدولة، ليس بالضرورة بدافع الرضا الكامل، بل خوفًا من الفوضى أو من فقدان الاستقلال السياسي. وهكذا، انقلبت محاولة استغلال الشارع الإيراني إلى نتيجة عكسية عززت تماسك النظام بدل أن تُضعفه.
تكشف هذه التجربة أحد أهم مصادر قوة النظام الإيراني، وهو قدرته على تحويل الأزمات إلى أدوات تعبئة سياسية. فالاحتجاجات، بدل أن تكون تهديدًا وجوديًا، تحولت إلى ساحة صراع إضافية تُدار بالخطاب، والرمزية، وإعادة تعريف العدو. وهذا ما يميز النظام عن أنظمة أخرى تقوم شرعيتها على الأداء الاقتصادي وحده، وتنهار سريعًا عند أول أزمة اجتماعية كبرى.
وعند مقارنة هذا النموذج بنماذج أخرى، مثل روسيا في عهد فلاديمير بوتين، تظهر الفروق بوضوح. فبوتين يمتلك ترسانة نووية هائلة وقوة عسكرية تقليدية ضخمة، لكنه يظل مقيدًا بمنطق الدولة القومية الحديثة، وبحسابات الاقتصاد العالمي، وبكلفة الحروب الطويلة على الداخل الروسي. أما إيران، فهي تتحرك بمنطق مختلف: منطق الشبكات، واللا تماثل، والزمن الطويل. هي لا تسعى إلى نصر حاسم، بل إلى منع الهزيمة وإبقاء الصراع مفتوحًا.
الخلاصة
أن القوة في السياسة الدولية لا تُقاس بعدد الرؤوس النووية، بل بطبيعة القيادة ونموذج الصراع الذي تتبناه. نظام خامنئي بنى قوته على الغموض، وعدم القابلية للتنبؤ، والاستعداد لتحمل الخسائر قصيرة المدى مقابل مكاسب استراتيجية بعيدة. وفي عالم تحكمه الحسابات العقلانية والردع التقليدي، يبقى الخطر الأكبر هو الخصم الذي لا يلعب بالقواعد نفسها، ولا يمكن التنبؤ بسلوكه.
من هذا المنظور، يمكن فهم سبب استمرار القلق الغربي من إيران، رغم التفوق العسكري والتكنولوجي عليها. فإيران لا تسعى إلى إنهاء الصراع، بل إلى إدارته، ولا تبحث عن انتصار نهائي، بل عن بقاء طويل. وهذا ما يجعل نظام خامنئي حالة فريدة في النظام الدولي المعاصر، ونموذجًا لقوة مختلفة، أقل صخبًا، لكنها أكثر تعقيدًا وتأثيرًا على المدى البعيد.
الكاتبة من لبنان