ليست إنجازات يا رئيس الحكومة

د. ماجد عبد العزيز  …..

انجاز كبير ظهور الدكتور جعفر حسان عبر التلفزيون الرسمي، هذا التلفزيون المكتظ بكثيرٍ من الحكايا والترهّل الوظيفي والحمولات الزائدة في زمن المواطن الصحفي وزمن الموبايل التلفزيوني وزمن البودكاست الذي يكفي فيه امتلاك كنباية مريحة مع ميكروفون حديث مع شخص من المؤثرين لنشر اللقاء ومشاهدته من عشرات الالاف وربما الملايين دون تكلّف أية مبالغ مادية أو جهود بشرية أو الحاجة لأية مساحة أو ديكورات أو موظفين.
أقول أنه إنجاز كبير للتلفزيون الأردني أن حظي بإجراء لقاء مع رئيس الحكومة في حديث مفصّل عما سمّاه بإنجازاته الحكومية.
ابتداءً فإن هذا الرئيس يتسّم بالهدوء وعدم الصخب والدخول في جدالات عقيمة ومثيرة، فهو لم يثر ولو لمرّةٍ واحدةٍ أمام مجلس النوّاب، ولم يدخل في حوارات تحت وقع كاميرات الصحافة ووسائل الإعلام. كما أنه لم يسجّل عليه محاباة صحفيين أو إعلاميين أو إجراء مقابلات مع هذا دون ذاك.
يمكن القول أن هذا الرئيس كان محكوماً بالطاقم الوزاري الذي ورثه كأشخاص في غالبيته من الحكومة السابقة. مع تركة ثقيلة فعلاً من المسيرة الحكومية المتعاقبة، فهو ورث تركة متعبة من البطالة وعدم إمكانية توفير فرص عمل حقيقية مستندة لعمليات تنموية واقتصادية واضحة وفعّالة. ورث مديونية تضخمت وأصبحت تشكّل عجزاً مقيماً لا مجال لمواجهته ومعالجته بتلك الأدوات البالية غير المجدية. ورث قطاع عام رغم كلّ ما يسمّ بالتجديد والتطوير والإصلاح الإداري له، فهو يزداد ضعفاً وانكماشاً، ورث خطر انهيار مؤسسة حامية الفقراء وكبار السّن وأعني مؤسسة الضمان الاجتماعي التي تتاكل مواردها بشكلٍ متسارع نتيجة ممارسات حكومية سابقة قاتلة، إن كان في درجة التدخلات الحكومية تحت مسميات مجلس الإدارة وخاصة وزراء العمل الذين ليسوا بالضرورة عارفين وخبيرين بعلوم التأمينات الاجتماعية والدراسات الإكتوارية لها. أو في تلك الاستثمارات الخاسرة في معظمها والتي تمت إجبار الضمان الاجتماعي للمشاركة فيها.
ورث قاعدة موت القطاع العام وموت التعيينات العامة باستخدام ذرائع من قبيل تحسين الأداءوترشيق العمل وحوكمة التعيينات، واستحداث هيئة للموارد البشرية تضاف لقائمة الهيئات مثيرة الغثيان، ولتتعقد سلسلة طلب التعيين وتمتد لمراحل طويلة مع ما يشوب الصلاحيات الممنوحة للوزارات والمؤسسات في وضع لوائح وشروط التعيين فيها. ورث قطاع تعليمي متضخم وشبه عاجز عن تغطية نفقاته مع مديونية متزايدة تكاد تصل فيه عديد من الجامعات لمرحلة إعلان العجز المالي التام، مع حمولات فائضة عن الحاجة، مع انخفاض مستويات الجودة التعليمية ومخرجاتها. وطبعاً مع انعدام فرص العمل للخريجين.
ورث التلاعب في عديد من القطاعات ومنها قطاع التعليم والتدريب التقني والمهني، وما زالت مؤسسة التدريب المهني تحت وطأة تقرير المصير لها منذ صدرة الأجندة الوطنية ” الأردن أولاً” منذ عام 2004، بين الرغبة في موتها، أو دمجها أو بيعها أو تصفيتها تحت مسميات إشراك القطاع الخاص. وفي كلّ مرّةٍ ومع كل خطةٍ حكوميةٍ جديدة، كان يتم فتح الملف ضمن بدائل كلها تستند للتخلّص من المؤسسة وابتلاعها. وعندما أنشأت هيئة تنمية المهارات التي حملت بداخلها أسباب فشلها من البداية، كانت الأفكار جلّها تتمثل في اقتطاع أفضل ما تحتويه هذه المؤسسة.
ورث قطاعاً صحيّاً منهكاً، فهو رغم محاولات التطوير له ببناء المستشفيات والمراكز الصحيّة، إلا أنه يعاني من عجز متنامي في توفير الكادر الطبّي والتجهيزات الحديثة نتيجة زيادة أعداد المنتفعين وطالبي الخدمة الصحيّة.
ورث بلديات ميتة سريرياً مع تركة وعجز مالي ثقيل، مع ترهُّل وظيفي متعاظم. مع مجالس لا مركزية يفترض أنها منتخبة، لكن التجربة أثبتت عدم فعاليتها وعدم جدواها في تطوير المجتمعات المحلية، بل ربما أصبحت حلقة تزيد من البيروقراط السلبي للعمل.
ورث ملفاً مليئاً بالتساؤلات وهو ملف الحياة الحزبية والسياسية، حيث التجربة تترنح منذ انطلاقتها الجديدة عبر قانون الأحزاب وقانون الانتخاب المعدّلين. عشرات الأحزاب التي نشرت معظمها فكرة الحزب الشخصي، المرتبط بشخص القائم والمؤسس للحزب، وشاهدنا كيف وبخفّةٍ انتقل وتناقل المؤسسين مواقع جديدة لهم في الحكومة أو الهيئات أو مجالس الإدارة.
ورث مستويات معيشة تكاد تعلن عن أن 80% من الشعب ممن يستحقون المعونة الشهرية المتكررة، حيث غلاءالمعيشة الذي أصبحت فيه الأردن وعمان من أكثر المدن العربية فيغلاء الأسعار والمعيشة، دون أن يقابلها رفع الدخل والرواتب للموظفين والمتقاعدين، وحيث نسب التضخّم تتزايد والقيمة الشرائية تتناقص.
ورث إعلاماً مرعوباً لا يستطيع نقد أي مسؤول نتيجة ربط النقد له بشخصه، فأصبح القانون سيفاً مسلطاً في وجه المنتقدين للأداء الحكومي.
ورث قوانين مثيرة للجدل منها قانون عدم حبس المدين وقانون الجرائم الإلكترونية وقانون الضمان الاجتماعي وقانون الموارد البشرية وقوانين الهيئات ومجالس الإدارات. ورث اكتظاظ السجون رغم كل الإجراءات المتخّذة للتخفيف من أعداد النزلاء عبر ترشيد وحوكمة التوقيفات الإدارية وعبر تنفيذ العقوبات البديلة.
ورث ملف الطاقة والكهرباء بكل ما يحمله هذا الملف من تساؤلات لم تجد إجابة واحدة عن أي سؤال منها منذ عقود.. وورث ملف المياه حيث يعتبر الأردن أقل الدول العربية والمحيطة في كمية المياه للفرد الواحد، مع كثيرٍ من الأسئلة عن أسباب إفراغ السدود وعن أسعار المياه المتزايدة مع بقاء ذات المستويات من الخدمات.
أما الفساد فهو ملف وتركة لا يرتبط بحكومة أو جهة محددة، إنه ملف عابر للحكومات والهيئات والمؤسسات. وليس اخرها ما تداوله الإعلام عن كيفية تعيين أفراد دون المرور بهيئة الموارد البشرية ودون المرور ببوابات الخدمة المدنية ودون الوقوف في طوابير المنتظرين لأية وظيفة عامة أو خاصة.
السيد رئيس الحكومة المحترم: يبدو أنني استدرجت في تعداد ما ورثته عن الحكومات السابقة ونسيت الغاية من المقالة والمتمثلة في توضيح مفهوم الإنجازات الحكومية، لكنني أعدك بمقالةٍ لاحقة للحديث عن ذلك.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا