فادي السمردلي يكتب: الطبل الفارغ يعلن نفسه بطلاً

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

 

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

👈 *المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉

في الأزمنة التي يعلو فيها الضجيج على المعنى، ويغلب فيها الاستعراض على الجوهر، تظهر ظاهرة مقلقة تتكرر في أكثر من مكان وزمان أشخاص يعتلون المنصات بلا رصيد حقيقي من الفعل، ويتصدرون المشهد بلا إنجاز، ويملؤون الفضاء بالصوت العالي معتقدين أن ارتفاع النبرة يكفي لصناعة الهيبة كأن الطبل الفارغ، حين يُضرَب بقوة، يتوهم أن صداه دليل على عظمة ما في داخله، بينما الحقيقة أنه لا يحمل سوى الفراغ.

المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذه النماذج، بل في قدرتها الغريبة على البقاء فالفشل، حين يُغلَّف بالغرور، يتحول إلى قناع سميك يمنع صاحبه من رؤية ذاته كما هي ومع مرور الوقت، يصبح هذا القناع جزءًا من الشخصية، فيصدق صاحبه الوهم الذي صنعه بنفسه، ويتعامل مع الانتقاد باعتباره مؤامرة، ومع النصيحة بوصفها تهديدًا لمكانته الهشة وهنا تتعقد الأزمة، لأن الاعتراف بالقصور كان يمكن أن يكون بداية إصلاح، لكن الإصرار على الإنكار يحوّل الفشل إلى نهج دائم.

قد نرى في بعض المنظومات أشخاصًا يلمعون فجأة، لا لأنهم قدموا ما يستحق الإشادة، بل لأنهم أتقنوا لعبة الكلام المنمق والشعارات الرنانة والطرق الملتوية يملؤون المجالس بضجيج صوتهم بعبارات كبيرة، ويُتقنون الوقوف الفارغ، ويعرفون كيف يستخدمون بعض الأساليب السوداء ويخاطبون العاطفة أكثر مما يخاطبون العقل. هؤلاء لا يبنون مشروعًا، بل يبنون صورة ولا يراكمون إنجازًا، بل يراكمون ظهورًا ومع الوقت، تصبح الصورة أهم من الحقيقة، ويصبح الحفاظ على الكرسي هدفًا بحد ذاته، حتى لو كان الثمن تآكل الثقة من حولهم.

الأخطر من ذلك أن الضجيج حين يطغى، يرهق الناس ويشوّش البوصلة فالمتلقي البسيط قد يختلط عليه الأمر بين من يعمل بصمت ومن يصرخ بلا عمل ومع كثرة التكرار، قد يُعاد تشكيل الوعي العام بحيث يُكافأ الصوت العالي، ويُهمَّش الجهد الحقيقي وهكذا ينقلب الميزان فيصبح المتواضع الجاد في الظل، بينما يتقدم المتعجرف الفارغ إلى الواجهة ليس لأن المجتمع اختار ذلك عن قناعة، بل لأن المشهد صُمم ليخدع العين والأذن معًا.

غير أن الواقع، مهما طال عليه الزمن، لا يرحم فالكلمات، مهما كانت براقة، لا تستطيع أن تحل محل الأفعال والشعارات، مهما كانت جذابة، لا تبني ثقة دائمة ففي لحظة ما، تنكشف الحقيقة، ويظهر الفرق بين من كان يعمل بصدق ومن كان يمثل دور البطولة على مسرح من ورق عندها يسقط القناع، ويصبح الطبل الفارغ مجرد صوت مزعج انطفأ صداه.

المجتمع الذي يريد النجاة لا بد أن يعيد الاعتبار للمعايير الحقيقية: الكفاءة قبل الحضور، الصدق قبل الخطابة، الفعل قبل الادعاء. لا بد من ثقافة تكرّم من ينجز في صمت، وتحاسب من يتصدر بلا استحقاق. فالمشكلة ليست في وجود الطبول الفارغة فحسب، بل في التصفيق الذي تتلقاه. وحين يتوقف التصفيق، ويبدأ السؤال الجاد: “ماذا قدمتم؟”، تتغير قواعد اللعبة كلها.

في النهاية، البطولة الحقيقية لا تُعلن بالصوت العالي، ولا تُنتزع بالاستعراض. البطولة تُبنى بالعمل اليومي، بالمسؤولية، بالقدرة على الاعتراف بالخطأ قبل الادعاء بالكمال. أما الطبل الفارغ، فسيظل يقرع بقوة ما دام يجد من ينخدع بصوته. لكن ما إن يستيقظ الوعي، حتى يتضح أن الصمت العميق الذي يرافق العمل الصادق، أبلغ ألف مرة من كل ذلك الضجيج.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا