هل نحن ضحايا.. أم نحن نتاج “تدجين” اجتماعي؟
بقلم: د. منى النحلاوي ……
“ارتحل وترجل.. ما عاد للكيل أن ينتظر.. لستُ محرومةً من الصغر، ولستُ كافيةً من النعم.”
في عمق ممارساتنا اليومية، يختبئ نوع من القوة القسرية التي لا تُرى بالعين المجردة، بل تُلمس في آثارها على الأرواح والعقول. هو ما نطلق عليه في علم الاجتماع “العنف الرمزي”؛ ذاك السلوك القاسي الذي يرتدي ثوب “المشروعية” ليقصي الآخر ويقيد كينونته، سواء كان لفظياً، مادياً، صريحاً، أو حتى ضمنياً عبر الإيحاء والترهيب النفسي.
المرأة.. بين الفطرة والصناعة
لطالما رددت الفيلسوفة سيمون دي بوفوار مقولتها الخالدة: “لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك”. إنها إشارة صريحة إلى أن هويتنا ليست دائماً نتاج خياراتنا الحرة، بل هي غالباً نتاج “تدجين” ثقافي وبيئة اجتماعية تُعيد صياغتنا وفق قوالبها الخاصة.
خذوا على سبيل المثال المثل الشعبي الشائع: “الولد غير البنت”؛ هذا المثل الذي يولد معنا ليس مجرد موروث لغوي، بل هو أداة من أدوات العنف الرمزي التي ترسخ التمييز وتجعله يبدو كأنه “قانون طبيعي”.
الهابيتوس.. وكيف تُبرمجنا البيئة؟
ما يمارسه المجتمع ضدنا هو ما يسمى بالـ “هابيتوس”؛ وهو مجموعة الاستعدادات الذهنية والجسدية التي تجعلنا “فاعلين اجتماعيين” نتحرك وفق ظروف تاريخية معينة. انظروا اليوم إلى منصات التواصل الاجتماعي، كيف تكرس صورة “الجسم النحيف” ومقاييس الجمال الاستهلاكية، لتدفع المرأة نحو الاغتراب عن ذاتها والتبعية لنموذج وهمي لا يخدم سوى إعادة إنتاج العنف ضد فطرتها وكيانها.
علامات المواجهة والوعي
لكي ننتصر لهويتنا، لابد أن نضع يدنا على الجرح ونكشف علامات هذا العنف في حياتنا اليومية:
• الألفاظ الجارحة: تلك التي تأتي في سياق “السخرية” لتقلل من شأن الآخر.
• التمييز الاجتماعي: القائم على خلفيات ثقافية لتعزيز الشعور بالدونية.
• الصور النمطية: سجن الأفراد في أفكار مسبقة تمنعهم من التحليق خارج حدود “القطيع”.
الخاتمة
أمام هذا التنميط، لم يعد هناك مجال للصمت. نحن نرفض أن نكون نتاج “تدجين” يحولنا إلى نسخ كربونية. لقد آن الأوان لنسترد هويتنا من بين ثنايا القوالب الجامدة، ونعيد صياغة ميثاقنا الخاص مع الحياة؛ ميثاقاً يقوم على الحرية والاعتراف والكرامة الإنسانية بعيداً عن أي عنف رمزي مغلف بالأعراف.
الكاتبة من الأردن
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية