**(الشعبانية والهوية الجنيدية)**

✍️ عبد الإله عبد القادر الجُنَيد
______________

يقال إنه إذا أَهَلَّ هِلالُ شهر شعبان ولم يُشَعْشِع في قلبك وفؤادك بنور الهدى والإيمان،
فلم تَبِنْ في لُجَمِ أهواء نفسك ورغباتك وشهواتك ما بان، فذلك دلالة على أن الربيع المحمدي لم يزهر في أعماق نفسك وروحك وفؤادك،
غير أنها لم تثمر في رجب الأصبِّ بعطاءات محبتك وولائك لربك الأعلى ومالك أمرك ونبيك صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار والأئمة القادة الأخيار من أعلام الهدى من آل بيت نبيك الأطهار،
كان عليك أن تجني ثمراتها في ليلة النصف من شعبان وتصقلها وتزكيها وتطهرها في شهر الله الأعظم رمضان، فتنال من الله الأعلى الرحمة والمحبة والمغفرة والرضوان وحسن الختام والعتق من النيران، فيكرمك الله رب السماوات والأرض في الدنيا والآخرة بالسعادة الأبدية والسلام، لقوله عز من قائل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾
فضلاً عن أن تَحْظَى بالأمن والأمان لقوله تعالى: ﴿أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ … الآية وقوله: ﴿وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾،
ولهذا تستأهل من الله الأعلى أن يخصك بعلو المقام في أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
فإذا أقبلت عليه بصفاء قلبك وإحسانك وتواضعك وسلامة قلبك، ابتغيت في كل أعمالك وجه الله الأعلى ولم ترد في ذلك من أحد من المخلوقين جزاء ولا شكوراً، ناداك منادٍ يوم لا ينفع مال ولا بنون: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. فهنيئاً لك يومئذ الفوز بجنات عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

ولكأني بك تنادي بأعلى صوتك حتى يسمعك كل من في المحشر قائلاً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.

لما أدرك أولياء الله الصالحين من آل بيت نبيه الطاهرين ذلك الفضل العظيم، أقبلوا على الله بتوبتهم منيبين ولكتابه الكريم منتهجين، وعلى صراط الله المستقيم سائرين، ولتوجيهاته ممتثلين، وبأوامره مؤتمرين، وعن نواهيه منتهين، فكانوا القدوة والأسوة للسالكين.
فأولئك هم الخاشعون في صلواتهم تراهم آناء الليل وأطراف النهار مسبحين وفي الأسحار مستغفرين.
فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين في الأولين وفي الآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. وصلوات الله وسلامه على ملائكته المقربين وعلى جميع النبيين وسائر المرسلين والشهداء والصديقين.

لهذا المنهج القويم اختط آباؤنا وأجدادنا من آل الجنيد في تعز، يقتفون في ذلك آثار آبائهم وأجدادهم قولاً وفعلاً بكل إيمان ويقين وتسليم لله رب العالمين،
لهكذا أضحوا مصابيح هدى يستضيء بأنوار هدايتهم الصادقون، فكانت عاقبتهم عاقبة كل المتقين، وثمرة صدقهم وإيمانهم وصبرهم وإحسانهم وتواضعهم ومحبتهم لهداية الناس أجمعين، أن أحيا الله ذكرهم ورفع قدرهم وأعلى مقامهم في الدنيا بداية، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ورزقهم من الثمرات فكانوا من الشاكرين.

ولما كانت ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة وعظيمة عند الله، ويومها يوم من أيام الله، وإحياؤها إحياء شعيرة من شعائر الله، اجتمع المحبون من أبناء جبل صبر على إحياء هذه الليلة جوار ضريح ومقام سيدي محمد بن عبد الرحمن جمال الدين في جامعه المسمى باسمه في قرية الصراري.

وفي هذه الليلة المباركة تأتي الوفود من جميع النواحي لإقامة الليلة المباركة بالعبادة والذكر والتسبيح والاستغفار بالتضرع إلى الله بالدعاء والابتهال لربهم الكريم.
وقبل غروب شمس يوم الرابع عشر يستقبلهم أبناء الأسرة بالتدخيلة المشهورة في تأريخ آل الجنيد.

لليلة النصف من شعبان قداسة خاصة عند جميع المسلمين في العالم، فهي ليلة مباركة ومستجاب فيها الدعاء، فضلاً عن كونها ليلة من ليالي الله يحييها المسلمون بالقيام والذكر والتسبيح لله، والاستغفار والدعاء لقضاء الحوائج وتيسير الأمور، ثم صيام نهارها.

ولآل الجنيد طريقتهم الخاصة والمميزة والمتفردة عن الآخرين ولها طقوسها الخاصة عندهم، فإذا ذكرت هذه الليلة عند أحدهم تذكر معها سيدي محمد بن عبد الرحمن (جمال الدين) (الجد الجامع) لآل الجنيد وصاحب الزيارة، وتذكَّر معه الجماعي والتدخيلة.

يُعدُّ سيدي صارم الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الجنيد ( 1060- 1140هجري) أول من أقام هذه التدخيلة ومؤسسها.

والجماعي مصطلح يُقصد به الزيارة الجماعية لمقام سيدي جمال الدين في المسير صوب الجامع المُسمَّى (جامع جمال الدين) والتي فيها تصل الوفود الزائرة لإقامة الليلة المباركة بالذكر والتسبيح والاستغفار والصلاة على النبي وآله، ولا تتم الزيارة إلا بالتدخيلة.

والتدخيلة مصطلح يُقصد به طريقة الدخول والوصول إلى المقام الشريف بهيئة منظمة يتحرك فيها الوافدون على وقع الطبول والقصائد الهادفة ذات الألحان المميزة لم يُسمع نظيراً لها من قبل.

فليلة النصف من شعبان لها ارتباط وثيق بهويتهم الخاصة التي ترتبط بالإرث التاريخي الديني للأسرة منذ مئات السنين، إذ تُعدُّ الشعبانية يوم عيد يُلبس فيه الجديد وتذبح الذبائح، ويحتفي الناس بها كاحتفائهم بالأعياد.

للقصائد الخاصة بالتدخيلة لها روحانيتها الخاصة، وتُنسب أبيات قصائدها وألحانها إلى سيدي صارم الدين إبراهيم، ولكن للأسف الشديد تم استبدال هذا الموروث بأبيات وقصائد أخرى كان لها أثراً سلبياً في طمر ونسيان جزء من هوية الأسرة، ولم يكن ذلك عن قصد، وإنما بجهالة، وقد سعينا جاهدين استعادة هذه الكلمات وتوثيقها والحفاظ عليها؛ لكونها جزءًا من الموروث للهوية الجنيدية.

وللأطفال والفتيان حكاياتهم الخاصة في هذا اليوم، فلهم ألعابهم الخاصة التي لا يمارسون لعبها إلا في هذا اليوم المبارك شريطة أن تكون فوق قباب الجامع الأربع وفي محيطه، حيث يعيشون ساعات من السعادة والفرحة الغامرة.

وبعد الوصول الجماعي للوافدين بالتدخيلة المذكورة التي يتقدمها رؤساء الأسرة وأعلامها، يتهيأ الناس لصلاتي المغرب والعشاء، وبينهما تُقرأ سورتا ﴿يس﴾ و﴿تبارك﴾، ثم يُبْدَأ بطقوس المولد حتى منتصف الليل، ثم تتفرق الجموع قافلةً إلى قراها ومنازلها.

وقد كان يحضر هذه المراسيم الولاة وقضاة تعز المحروسة.

وتعود ذكرى هذا الجماعي والتدخيلة إلى أواخر القرن الحادي عشر الهجري، حيث يُروى أن أحد حكام تعز المحروسة أراد أن يهدم مقام سيدي أحمد بن علوان فخرج إلى يفرس لهذا الغرض، وبينما هو في الطريق وبالقرب من جامع سيدي أحمد بن علوان اتكأ على صخرة لأخذ الراحة، فلما أراد القيام لمواصلة السير لم يستطع، ووجد نفسه أسيراً مقيداً قد ضرب الله عليه الأسر؛ لأنه أراد أن يؤذي ولياً من أولياء الله، ودُعي أولياء وصالحون من جبل صبر وجبل حبشي لاستنقاذ هذا الأسير ولكنهم لم يفلحوا في فعل شيء، فرأى هذا الأسير في منامه رجلاً يرشده إلى الاستجارة برجلٍ صالحٍ اسمه إبراهيم وأنه الكفيل بخلاصه من أسره بإذن الله تعالى.

وحينما استيقظ الأسير من منامه بادر بالإسراع إلى إرسال رسله إلى سيدي إبراهيم الجنيد، وعند وصولهم إليه أخبروه بحال أسيرهم وقصة منامه، فقبل سيدي إبراهيم أن يقوم بهذا الأمر متوكلاً على الله واثقاً من أن الله سبحانه وتعالى لن يرده خائباً، فاشترط على هذا الحاكم الأسير أن يعلن توبته عن هذا الفعل القبيح وعدم إيذائه لأولياء الله، فوافق ذلك الأسير على كل شروط سيدي إبراهيم وأعلن توبته لله تعالى أمام الملأ وحمايته لمقامات الأولياء مادام حاكماً.

حينئذٍ أعلن سيدي إبراهيم عزمه على المسير إلى جامع سيدي أحمد بن علوان، فدعا رؤساء القبائل والعشائر في جبل حبشي للاحتشاد والتجمع والتحرك بوفد كبير، وتحرك الجميع معه حيث تقدمهم، وعندما وصلوا دخلوا على مقام سيدي بن علوان بهذه التدخيلة التي لها طقوسها وقصائدها الخاصة بها والمميزة لها، حينها فكَّ الله أسر ذلك الحاكم.

ومنذ ذلك اليوم أقامها سيدي إبراهيم لجده سيدي جمال الدين، ولجده الأكبر سيدي أحمد بن عبد الله الحضرمي، فصارت بعد ذلك هوية خاصة ومميزة يتوارثها الأجيال من آل الجنيد حتى يومنا هذا.

وفيما يلي بعض أبيات تعود لسيدي صارم الدين يقول فيها :
ياشوقنا لحضرة الجمالِ
نشرب كؤوس القربِ والوصالِ
الليل جد يا ساكن الصراري
واحمِ حِمَا الخِلَّانِ والأهالي
هات يا جنيد يا سيد الرجال
واسْقِ ضيوفك صافي الزلالِ
يا بشر يا من مسكنه شمالي
يا ساكن الغابات والرمالِ
يامن سكن في النقل العوالي
ياحضرمي ياشامخ الجبالِ
________

كان لسيدي صارم الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الجنيد مقام عظيم عند إمام زمانه، كما تؤكد ذلك الأوامر والمنشورات الإمامية المحفوظة لدينا نسخة منها بتعيينه قاضيًا في نواحي كثيرة من بلاد تعز.
وكذلك أولاه والي تعز بالصحبة والمحبة والاجلال والتقدير، حتى إنه لما عين واليًا على البيضاء اصطحبه إلى هناك، فقضى بقية عمره قاضيًا في مناطق عدة، وآخرها منطقة يقال لها (الخضراء) حتى توفي ودفن في تلك البلاد، وكان له مسجدًا فيها، أقدم الدواعش وحثالات القاعدة على تدميره حتى بات أطلالًا وآثارًا تحكي تاريخًا يشهد على عظمة وليٍّ من أولياء الله.

وختاماً ندعو أبناء الأسرة للبحث الجاد عن بقية قصائد سيدي صارم الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الجنيد للتوثيق.

** والحمد لله رب العالمين.**
_________
*اللهُ أَكْبَرُ*
*الْمَوْتُ لِأَمْرِيكَا*
*الْمَوْتُ لِإِسْرَائِيلَ*
*اللَّعْنَةُ عَلَى الْيَهُودِ*
*النَّصْرُ لِلْإِسْلَامِ*

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا