غزة.. إبادة تحت ستار التهدئة
نبيل الجمل …..
يطل العام 2026 على قطاع غزة بجرح لا يزال ينزف، تحت مسمى “وقف إطلاق نار” ليس في الحقيقة سوى هدنة هشة يمزقها رصاص الاحتلال وقذائفه كل ساعة. إن الإحصائيات المرعبة تتحدث عن أكثر من 1500 خرق نفذها جيش الاحتلال الصهيوني منذ بدء سريان الاتفاق المزعوم، تنوعت بين القصف المدفعي والجوي، والتغلغل البري الغادر، مما حول “التهدئة” إلى مجرد غطاء لاستمرار المجزرة بعيداً عن صخب الطائرات في البداية، قبل أن يعود القصف علنياً وبكل وحشية.
حرب الاستنزاف والخرق المستمر
لم تكن دماء الفلسطينيين يوماً رخيصة، لكن استباحتها في ظل “التهدئة” تعكس سادية منقطعة النظير؛ حيث أسفرت هذه الخروقات عن ارتقاء أكثر من 500 شهيد، كان آخرهم 29 شهيداً منذ صباح اليوم السبت 31 يناير، في تصعيد يهدف بوضوح إلى كسر إرادة الحاضنة الشعبية. الاحتلال لا يكتفي بقتل المدنيين، بل يواصل سياسة الاغتيالات الجبانة، مستهدفاً قيادات عسكرية من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، متذرعاً بحجج واهية مثل خروج مقاتلين من نفق في رفح، ليبرر فشله الاستخباراتي والميداني بوابل من النيران فوق رؤوس الأبرياء.
تحطم الرواية الصهيونية: “مورغان” والاعتراف المتأخر
في تحول دراماتيكي يعكس تآكل الأكاذيب الصهيونية، جاء اعتراف الإعلامي البريطاني بيرس مورغان ليشكل صفعة مدوية لماكينة البروباغندا الإسرائيلية. مورغان، الذي ظل طوال العامين الماضيين بوقاً يدافع عن رواية الاحتلال، أقر أخيراً بأن ما يحدث هو “تطهير عرقي”.
والأهم من ذلك، اعترافه بصحة أرقام الضحايا الصادرة عن وزارة الصحة في غزة، والتي طالما شكك فيها ضيوفه بدعم من جيش الاحتلال. اليوم، يسقط القناع حتى عن أكثر المدافعين شراسة عن الكيان، بعد أن اضطر الجيش الإسرائيلي نفسه للإقرار بصحة تلك الأرقام أمام الحقائق الدامغة التي نشرتها صحيفة “هآرتس” العبرية. هذا الاعتراف هو إدانة أخلاقية وقانونية تثبت أن الكيان لم يمارس حرباً عسكرية، بل “حرب إبادة جماعية” شاملة.
لعبة المجرم نتنياهو: تدمير الاتفاقات على أعتاب “معبر رفح”
سياسياً، نرى أن موجة الهجمات المسعورة اليوم مرتبطة بشكل مباشر بالترتيبات الجارية لافتتاح معبر رفح. إن نتنياهو، الذي يرى في أي انفراجة إنسانية تهديداً لبقائه السياسي، يسعى جاهداً لتدمير وقف إطلاق النار عبر التصعيد العسكري. إن استهداف القيادات وتكثيف القصف في هذا التوقيت هو رسالة واضحة للوسطاء والضمناء بأن حكومة الاحتلال المجرمة لا تحترم عهداً ولا ميثاقاً، وهي تضع الجميع أمام خيار واحد: إما الصمت على الإبادة أو الانفجار الشامل.
الخلاصة
إن ما يحدث في غزة اليوم ليس “خروقات” عابرة، بل هي سياسة رسمية لحكومة صهيونية غارقة في الدم. إن المجتمع الدولي، والوسطاء تحديداً، مطالبون اليوم بجهود حقيقية لوقف هذه الجرائم، فالتاريخ لن يرحم من وقعوا كشهود على اتفاقيات ذبح فيها الشعب الفلسطيني تحت مسمى “التهدئة”. غزة لا تزال تقاوم، والاعترافات الدولية المتأخرة لن تعيد الشهداء، لكنها تكرس حقيقة واحدة: الكيان الصهيوني هو كيان إبادة، وزواله هو السبيل الوحيد لاستقرار المنطقة.
الكاتب من اليمن