غياب الرقابة والاستغلال دون محاسبة… أسباب ظاهرة الفقر وطحن المواطن في فلسطين
بقلم د. تيسير فتوح حجه …..
الأمين العام لحركة عدالة
لم يعد الفقر في فلسطين مجرد نتيجة طبيعية للاحتلال وحده، بل أصبح ظاهرة مركّبة تتغذى من غياب الرقابة، وسوء الإدارة، والاستغلال المنظّم لاحتياجات الناس دون حسيب أو رقيب. المواطن اليوم لا يُسحق فقط تحت وطأة الحصار والقيود، بل يُطحن أيضاً بين أنياب الفساد الداخلي، وجشع بعض المتنفذين، ولامبالاة مؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمته لا لإرهاقه.
حين تغيب الرقابة الحقيقية، تتحول الأسواق إلى غابة، ويصبح التاجر الشريف استثناء، بينما يسرح المستغلون ويمرحون. ترتفع الأسعار بلا مبرر، تُحتكر السلع، تُخفَّض الجودة، ويُترك المواطن وحيداً في مواجهة تغوّل لا ترحمه رواتب ثابتة ولا دخول منهكة. من يحاسب؟ ومن يراقب؟ ومن يسأل لماذا يدفع الفقير دائماً الثمن الأكبر؟
الرقابة ليست حملة موسمية تُلتقط لها الصور، ولا جولة شكلية لتهدئة الرأي العام. الرقابة مسؤولية دائمة، فعل يومي، وإرادة سياسية حقيقية لحماية المجتمع، لا مجرّد إجراء إداري يُضاف إلى أرشيف البيانات. حين تغيب هذه الإرادة، يصبح الاستغلال سياسة غير مكتوبة، ويغدو الفقر قدراً مفروضاً لا نتيجة خلل يمكن إصلاحه.
المشكلة لا تقف عند حدود الأسعار. هناك استغلال في فرص العمل، في الأجور المتدنية، في العقود غير العادلة، في غياب الحماية الاجتماعية الحقيقية. العامل يُستنزف، الموظف يُرهق، الشاب يُحاصر بالبطالة، والأسرة تُحاصر بالديون. هكذا يُعاد إنتاج الفقر جيلاً بعد جيل، ليس بسبب قلة الموارد فقط، بل بسبب سوء توزيعها واحتكارها بأيدي قلة.
الأخطر من الفقر هو الشعور بالظلم. حين يرى المواطن أن القانون لا يُطبَّق إلا على الضعفاء، وأن المتنفذ فوق المساءلة، يفقد ثقته بكل شيء: بالمؤسسات، بالعدالة، وبجدوى الصبر. وهنا يتحول الفقر من أزمة معيشية إلى أزمة أخلاقية واجتماعية تهدد السلم الأهلي وتضرب أساس الاستقرار.
من هنا، تؤكد حركة عدالة أن المعركة ضد الفقر ليست شعارات مساعدات ولا موسماً للطرود الغذائية، بل هي معركة رقابة ومحاسبة وعدالة توزيع. المطلوب نظام رقابي مستقل وقوي، قضاء نزيه لا يخضع للضغوط، وقوانين تُطبّق على الجميع دون استثناء. المطلوب حماية المستهلك كما تُحمى المصالح الكبرى، وحماية العامل كما تُحمى المناصب.
كرامة المواطن ليست ترفاً، ولقمة عيشه ليست هامشاً في الموازنة. أي نظام لا يضع الإنسان أولاً، سيتحول إلى عبء عليه. وأي سلطة لا ترى الفقير، ستفقد شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية.
الفقر في فلسطين ليس قدراً… بل نتيجة سياسات يمكن تغييرها، إن وُجدت الإرادة، وحضرت الرقابة، وفُعِّلت المحاسبة. بدون ذلك، سيبقى المواطن يدفع الثمن، وسيبقى السؤال معلقاً: من يحمي هذا الشعب من الاستغلال الداخلي كما نحميه من الاحتلال؟
الكاتب من فلسطين