حين يرتبك العدو ويُرعبه الشعار

أ. محمد البحر المحضار  ….

 

ليس القلق الذي أبداه مندوبُ كَيان الاحتلال الصهيوني في مجلس الأمن من شعار الصرخة حدثًا بروتوكوليًّا عابرًا أَو زلّة خطابية في منبر دولي، بل مؤشر بالغ الدلالة على اختلال عميق أصاب معادلة السيطرة الرمزية التي طالما راهن عليها العدوّ وحلفاؤه، وعلامة تكشف طبيعة الصراع وحدوده الحقيقية.

فالعدوّ، الذي اعتاد مواجهةَ الجيوش والتحالفات والقرارات الدولية، يجد نفسَه مأزومًا أمام عبارة قصيرة أصابت لبّ الرواية التي يسعى إلى ترسيخها عالميًّا.

موقفٌ صريح في زمن اللُّغة الرمادية

تكمن قوة الشعار في كونه خطابًا مكثّـفًا منزوعَ الأقنعة، لا يقبل التدوير ولا يترك هامشًا للتأويل المريح، لا يساوم على المعنى، ولا يختبئ خلفَ لُغة رمادية، ولا يحتاج إلى شروح دبلوماسية مطوّلة.

في زمن تُدار فيه الحروب بالكلمات قبل الصواريخ، ويُدار الصراعُ عبر تخفيف حدّة المواقف وتدوير المصطلحات، يأتي الشعار مباشرًا، حادًّا، غيرَ قابل للتأويل، يعيد تسمية الأشياء بأسمائها، ويُربك من اعتاد التحكم باللُّغة قبل الوقائع.

الشعار كأدَاة مواجهة معنوية

قلق العدوّ هنا ليس لُغويًّا أَو انزعَـاجًا من ألفاظ، بل هو قلق سياسي بامتيَاز، وخوف من أثر تراكمي يضرب على مستوى الوعي.

فالشعار حين يُرفع، لا يعبّر عن انفعالٍ عاطفي طارئ، بل عن وعي جمعي متمسك يرفض إعادة تعريف الصراع وفق مقاسات المنتصر إعلاميًّا، ويؤكّـد أن القضية لم تتحوّل إلى نزاع إداري أَو مِلف إنساني يمكن احتواؤه.

يتجاوز الشعار حدود الجغرافيا، ليصبح أدَاة مواجهة معنوية مع منظومة دولية اعتادت احتكار تعريف “المشروع وغير المشروع”؛ فهو لا يخاطب العدوّ فحسب، بل يفضح ازدواجية المعايير التي تدّعي الحياد بينما تنزعج من كُـلّ خطاب يخرج عن القالب المرسوم.

وكل اعتراض على الشعار هو اعتراضٌ على مضمونه، لا على شكله؛ لأنه يعيد تثبيت الحقيقة التي يسعى كثيرون إلى طمسها أَو تحييدها.

الموقفُ العصيّ على المصادرة

الأخطر على العدوّ أن الشعارَ عصيٌّ على المصادرة؛ فهو ليس قرارًا يمكنُ تعطيلُه، ولا بيانًا قابلًا للتأويل، بل موقف واضح يستمد قوته من بساطته وانسجامه مع وعي الشعوب.

وكل محاولة لتصويره كتهديدٍ تكشفُ هشاشةَ روايته، وتفضحُ خوفه من خطاب لا يخضع لقواعد اللعبة التي اعتادها.

الخاتمة: حين يرتبكُ العدوُّ أمام كلمة، ويُرعِبُه الشعار؛ فهذا ليس مُجَـرّد فعل لفظي، بل ميزان حق ومعيار أخلاقي وسياسي، يفضح الحقائق، ويؤكّـد أن المعركة، قبل أن تكون ميدانًا، هي وعي وموقف.

مدير عام مكتب التخطيط ـ م/شبوة

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا