صيانة الأعراض بين ميزان الشريعة وروح القانون
بقلم: المستشار د. مسعود محمد شلندي ….
رئيس قسم القانون الجنائي- كلية القانون صرمان – جامعة صبراته
في هندسة القيم التي يقوم عليها العمران الإنساني، ليست الكلمة هواءً عابرًا يضمحل بانقضاء الصوت، بل قوة مُنشِئة تُقيم واقعًا أو تهدمه، وتبني معنًى أو تُميتُه؛ فإذا مسّت عرضًا لم تُصب فردًا فحسب، بل أصابت الضمير الجمعي في صميمه، وامتحنت وجدان المجتمع قبل أن تُستدعى إلى منصة القضاء. ومن ثمّ غدت صيانة الأعراض، في زمن تسارعت فيه وسائط النشر حتى صار الزرّ الواحد معبرًا إلى الآفاق، قضيةً تتعانق فيها أحكام الشريعة مع روح القانون، وتلتقي فيها رقابة السماء مع مقتضيات العدالة الوضعية. وقد أقامت الشريعة الإسلامية لهذا المقصد سياجًا محكمًا من النصوص والأحكام، فجعلت القذف عدوانًا على الكرامة التي كرم الله بها الإنسان، ورتّبت عليه جزاءً زاجرًا يجمع بين الردع البدني والأثر المعنوي بردّ الشهادة وإسقاط العدالة، بما يؤكد أن الاعتداء على السمعة ليس هفوة لفظية، بل جناية على نظام القيم ذاته. وفي بُعدها المقاصدي، لا تقف الحماية عند حدّ ردع الفرد، بل تمتد إلى صون البنية الأخلاقية للمجتمع؛ إذ لا يستقيم عمرانٌ تُستباح فيه الأعراض وتُتداول فيه الاتهامات بغير بيّنة، ولا يُرتجى أمنٌ حيث يتحول اللسان إلى سيفٍ مسلول في كل مجلس ومنصة. وعلى هذا النهج، أدركت القوانين الوضعية الرشيدة خطورة المساس بالسمعة، فجرّمت أفعال السبّ والقذف والتشهير، وأقامت مسؤوليات جزائية ومدنية تُقارب في فلسفتها حماية المال، بل تتجاوزها أحيانًا، لأن المال يُعوّض، أما السمعة فإذا جُرحت طال أمد التئامها وربما لم تلتئم. ومع التحول الرقمي، اتسع نطاق الضرر اتساعًا نوعيًّا؛ فالكلمة لم تعد حبيسة مجلس، بل تُبثّ في لحظة وتُستنسخ آلاف المرات، فتتضاعف معها المسؤولية ويتعاظم الإثم، ويبرز عندئذٍ تكامل القانون والضمير: فالقانون يردع بعد الوقوع، والضمير الحي يمنع قبل الوقوع. وفي هذا السياق تتجلى إشكالية التوازن بين حرية التعبير وحرمة العرض؛ فحرية القول حق أصيل، لكنها ليست طليقة من القيود، بل تقف عند حدود كرامة الغير وحقوقهم. ويُميَّز النقد المشروع عن التشهير المذموم بمعايير قوامها سلامة القصد، وموضوعية الطرح، والتحقق من الحقيقة، وخلو الخطاب من الشخصنة والتجريح؛ فالنقد المؤسس على دليل غايته الإصلاح عمل حضاري، أما الاتهام الباطل فعدوان أخلاقي وقانوني يهدد السلم الاجتماعي. وإذا أُسقطت هذه المبادئ على واقعنا اليومي بان أن كثيرًا من الأواصر تُقطع بكلمة غضب، وأن سمعة بريء قد تُشوَّه بإشاعة غير متثبت منها، وأن “المشاركة” بضغطة زر قد تُحوِّل صاحبها شريكًا في جناية على عرض إنسان. ومن ثمّ يتأكد واجب التثبّت قبل النقل، وحسن الظن أصلًا حتى تقوم البيّنة، والستر خُلُقًا لا الفضيحة، واجتناب مجالس الغيبة والنميمة، واستحضار المسؤولية الأخروية حيث الكلمة محسوبة والميزان دقيق. إن صيانة الأعراض ليست ترفًا خلقيًّا يُؤخذ ويُترك، بل ضرورة اجتماعية وأمنًا معنويًّا للأفراد والجماعات؛ وما بين ما يُحسب هيّنًا في أعين الناس وما هو عظيم في ميزان الحق مسافة لا يقطعها إلا وعيٌ يقظ وتقوى راسخة. فلنزن أقوالنا بميزان الشرع، ونخضعها لمنطق القانون، ونطهّرها بضمير حيّ، حتى نكون من البانين لا الهادمين، ومن المصلحين لا المفسدين، ونصون أعراض الناس كما نحب أن تُصان أعراضنا؛ فالكلمة أمانة، والأمانة مسؤولية، والمسؤولية حساب.
اللهم طهّر ألسنتنا من الزلل، واجعلها حارسةً للكرامة، عاملةً بالحق.
.. وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.