إصلاح ذات البين في زمن الشتات

نبيل الجمل. ….

 

إن الإصلاح بين الناس عبادةٌ خفية خاشعة، سماوية المقصد، أرضية الأثر، هي ميزان العدل الذي يرجح حين تضطرب كفة الحياة، وهي الوسيلة الفضلى التي تعبر عليها الأرواح من ضيق الشقاق إلى سعة الوفاق. لقد رفع الله سبحانه وتعالى شأن هذا العمل، فلم يجعله مجرد عرف اجتماعي أو واجب تفرضه العادات، بل جعله طاعةً يتعبد بها العبد لربه، وقربةً يرجو بها الفوز في يوم تشخص فيه الأبصار، فليس هناك خيرٌ يُرتجى في مجالس القوم ولا في نجواهم إلا إذا كانت تحمل في طياتها أمراً بصدقة، أو سعياً بمعروف، أو إصلاحاً بين قلوب تنافرت، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. إن كل جهد يُبذل لإطفاء فتنة، وكل خطوة تُمشى لوصل حبالٍ انقطعت، هي صلاةٌ في محراب الحق، وصدقةٌ جارية في صحائف الحسنات، ولقد أخبرنا النبي الأعظم صلى الله عليه وآله الطاهرين بأن إصلاح ذات البين ميزانة كدرجة الصيام والصلاة والصدقة، وليس تقليلاً من شأن الفرائض، بل لأن الخصام هو “الحالقة” التي تهدم الدين، وتزرع البغضاء، وتفتح للشيطان ثغوراً لا تُسد إلا بالمحبة والتسامح.

والإصلاح لا يحتاج إلى فيض مال ولا سطوة سلطان، بل يكفيه قلبٌ طاهر، وكلمةٌ صادقة، وموقفٌ عاقل يُراد به وجه الله الكريم. إن أثر هذا الفعل يتجاوز حدود المتخاصمين ليعم المجتمع بأسره؛ فحين تعود المودة بين الأفراد يسود الأمن السكينة، وحين تزول الخلافات بين العائلات تُرمم روابط المجتمع، وحين يلتئم شمل الجماعات تقوى الأمة وتصبح كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وفي هذه الظروف القاسية التي تمر بها يمننا الحبيب، وسط سنوات العجاف والحصار المطبق والأزمات الاقتصادية الخانقة، تكالبت القضايا وتراكمت الهموم؛ فمنها ما ولدته الحاجة وانعدام الأمن، ومنها ما زرعه الأعداء والكيان الصهيوني والغرب لتمزيق النسيج المجتمعي وإغراقه في صراعات جانبية تشغل الناس عن قضيتهم الكبرى. لقد اكتظت المحاكم وأروقة النيابات ومراكز الأمن بقضايا مثقلة بالوجع، تراكمت لسنوات في ظل فساد إداري وقضائي زاد من معاناة المظلومين وأخر حقوق المستضعفين.

ومن هنا، وانطلاقاً من المسؤولية الإيمانية والوطنية، جاءت توجيهات السيد القائد -حفظه الله- بتكليف لجان ميدانية مكثفة في عموم المحافظات؛ لجان للتحري والإنصاف، لردع الظالم، وكف يد الفاسد، وإرجاع الحقوق إلى أهلها. إننا من هذا المقام نبعث بصدق النصح لهذه اللجان: اتقوا الله في الأمانة التي حُمّلتموها، وأدوا عملكم بيقين من يعلم أنه يقف بين يدي الله، فكونوا بلسماً لجراح الناس لا ملحاً عليها. إننا نوجه النداء لكل ذي مسؤولية في وزارة العدل والداخلية، ولكل الشخصيات الاجتماعية والقبلية المؤثرة: اجعلوا من أنفسكم مفاتيح للخير، ومغاليق للشر. تحروا النزاهة، وانبذوا الرشوة والمحسوبية، وافصلوا في القضايا بعين الرحمة وقوة الحق، مقتدين بنهج الرسول الأعظم وآله الأطهار في إقامة القسط.

إن الإصلاح بين الناس عبادة ترفع الدرجات وتطفئ السيئات، فليجعل كل منا لنفسه نصيباً من هذا الفضل. لنكن ممن يجمعون الشتات ولا يفرقون، وممن يصلون ما أمر الله به أن يوصل، فمن كان في الدنيا رسول سلام ورحمة، جعله الله يوم القيامة قريباً من رحمته وفي مقام أهل الزلفى لديه. إن العدل هو الركن الذي لا يميل، والإصلاح هو البناء الذي لا ينهدم، فليكن همنا جميعاً أن نلقى الله وقد أصلحنا ما استطعنا، آملين أن تنكشف هذه الغمة عن وطننا الحبيب ببركة التراحم والعدل والإنصاف.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا