الطفيليون : حكايات النقابات والإتحادات المهنية والعمالية
د. ماجد الخواجا ….
حين قامت النقابات في بداياتها التاريخية كانت تعبّر عن إيجاد مظلة اجتماعية للدفاع وحماية حقوق العمّال الكادحين الذين عاشوا تحت نير الإستبداد والإستعباد عند أصحاب العمل، فجاءت نقابات العمّال معبّرة عن التمثيل الحقيقي لمصالح الطبقة العاملة. وجاء مقابلها وفي مواجهتها ما سميّت بالإتحادات والروابط المهنية التي تطورت لتأخذ شكلاً سمّي بالنقابات المهنية التي غايتها المعلنة تنحصر في صون المهنة وتطويرها والدفاع عن هوية ومصالح أعضائها من ذوي الإختصاصات المحددة، فظهرت نقابات للمهندسين والمحامين والأطباء والممرضين والصيادلة والبيطريين، وجاءت فئة ثالثة لتدافع عن مصالح أصحاب العمل ورأس المال وأصحاب المصانع والمشاريع الزراعية والاقتصادية المختلفة، فأنشئت جمعيات وأندية خاصة بهم غايتها حماية مصالحهم في وجه المهنيين وبالتأكيد في وجه القوى العاملة. هذه الثلاثية توجّت بجهةٍ يفترض أنها الراعية لمصالح جميع الفئات وهي الحكومة أو الدولة.
كان مفهوماً أن تلك المكوِّنات تتطلب مقوّمات لوجودها واستمراريتها عبر إيجاد مصادر تمويلية لها، فكانت الرسوم على العضويات المنضوية تحت لوائها، إضافة لما تدعى بالتبرعات والهبات وعمل الأنشطة المدرّة للعوائد المالية. لكن مع الإمتداد الزمني وزيادة أعداد المنتسبين لتلك الهياكل التنظيمية، بدا ملحّاً التفكير في توفير مصادر دائمة ومجزية لتلبية متطلباتها المتزايدة، فلم تعد رسوم العضوية بالرغم من رفعها المتكرر تسدّ الحاجات المالية، وهناتك التزامات برواتب وتقاعدات ودفع إيجارات وشراء تجهيزات، ناهيك عن دخول الفساد لهذه المكونات الاجتماعية، مما أوصل نسبةً كبيرةً منها إلى درجة إعلان الإفلاس وعدم المقدرة على تسيير شؤونها اليومية.
لقد تفتقت أذهان المشرّعين للنقابات والمهتمين بكيفية زيادة مصادر الدخل، أن أوجدوا عوائد مجزية سخيّة مجّانية لا تتطلب جهوداً ولا وقتاً لتحصيلها، إنها عبارة عن فرض جبايات سمّيت بالرسوم لهذه النقابة وتلك، بحيث تقفوم النقابة بوضع ختمها على المعاملات وتحصيل رسم مجزي دون تقديم أية خدمات مصاحبة. طبعاً مع الإمتداد الزمني لتلك الهيئات، أصبح هناك موظفين وأصحاب مصالح يتقاضون رواتب ومكافآت من تلك الهيئات، وأصبح لهم حقوقاً مكتسبةً لا تتقادم ولا تنتهي.
وأوجدت كل نقابة ذريعة لها أسوةً بالنقابات الأخريات، من أجل تحصيل الرسوم لقاء توقيع وختم النقابة.
ومع تضخّم عديد الأعضاء في النقابات خاصةً النقابات المهنية، ومع إلزامية العضوية ورسومها، ومع إقتطاع نسب من أعمال الشركات والقطاعات المرتبط عملها بهذه النقابة أو تلك. فإن كل الجبايات تلك، لم تعد تغطي متطلبات واحتياجات النقابات والتزاماتها لأعضائها برواتب وتقاعدات شهرية.
لقد أصبحت هذه الهيئات مجرّد هياكل وتنظيمات تم إنضوائها تحت سقف الحكومة وأصبحت أداة من أدواتها، ولم يعد لها من شأن ملموس سواء في مجالات تحسين المهنة أو صون حقوق المتعاملين معها أو في تطوير وتجويد الأداء لمنتسبيها. وباتت تشكّل عبئاً ثقيلاً في جسد الدولة، وعجزاً مزمناً لا علاج له ضمن الإجراءات المتبّعة حتى الآن.
لا أريد سرداً بالأرقام لكوارث شبه متحققة من وراء هذه الهيئات، فالنقابات العمّالية مجرد هياكل وواجهات ديكورية لم يلمس العمّال أنها تعبّر عنه وتدافع عن حقوقه وواجباته وسلامته وصون كرامته. وهي نقابات غير إلزامية العضوية خشية أن تأخذ شكلاً نقابياً مؤثراً وحضوراً قوياً يضع حقوق أكبر طبقة في المجتمع في قمة الأولويات. لهذا بقيت العضوية غير إلزامية بحيث شاهدنا العديد من النقابات العمّالية تكاد فيها قيادتها أن تصبح خالدة والتي تبوأت مواقعها ” بالتزكية” وليس بالإنتخابات الحقيقية. وعندما جاءت نقابات عمّالية سميّت بالمستقلّة، فقد تم رفضها وعدم ترخيصها خشية أن تحتل مكان النقابات العمّالية المعترف بها رسمياً. أو أن تحدث خلخلة بنيوية في طبيعة الغايات والأهداف والمصالح النقابية العمّالية.
فيما النقابات المهنية التي أصبحت عبارة عن مناصب ومكاسب يتم تداولها وتبادلها بين الاتحالفات ذات التوجهات السياسية المتباينة والمتعارضة. فهي تعاني من العجز المالي، ومن ملفات ثقيلة تخشى من تناولها وفتحها علانيةً، وتلهث جرياً خلف فرض رسوم متصاعدة على المواطنين والجهات الاقتصادية المرتبطة بهان وبنفس الوقت تقوم بتجميد أو تقليص الرواتب التقاعدية لمنتسبيها نتيجة نضوب الموارد المالية في صناديق التقاعد النقابية.
أما جمعيات وأندية أصحاب العمل، فهي خارج هذه الاعتبارات الاجتماعية والمالية، وتنسجم بطبيعة العضوية فيها، مع تلبية احتياجات أعضائها ودون الدخول في توترات وأزمات داخلية أو خارجية.
وصولاً إلى الحكومات التي هي في حيرةٍ من أمرها ليس فقط مع النقابات العمالية والمهنية، بل تتعداها إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي والتأمينات الطبيّة وكثيراً من القطاعات المجتمعية ذات الأثر المالي.
لقد انتفى دور النقابات المهنية كما تلاشى أثر ودور النقابات العمّالية، والملفات تضخمت وتورمت ولم يعد بمقدورها احتمال أية قضايا ذات بال، والحبل على الجرار ما زال.
الكاتب من الأردن