التهجير القانوني وجواز السفر الفلسطيني
بقلم د. تيسير فتوح حجه …..
الأمين العام لحركة عدالة
لم يعد التهجير الفلسطيني اليوم يقتصر على صورته التقليدية التي عرفها شعبنا منذ النكبة، حين كان الاقتلاع يتم بالقوة العسكرية المباشرة. لقد تطوّر المشهد، وأخذ شكلاً أكثر خطورة وتعقيداً: تهجيرٌ يُدار تحت غطاء القانون، وتُسهّل أدواته البيروقراطية والإدارية، ليصبح “التهجير القانوني” أحد أخطر أدوات تفريغ الأرض من أصحابها.
إن جواز السفر الفلسطيني — الذي يفترض أن يكون رمز السيادة والانتماء — بات في كثير من الحالات وثيقة عبور مؤقتة، لا تعكس حقيقة الحق السياسي ولا الحماية القانونية التي يستحقها المواطن. فحامله يصطدم بواقعٍ دوليٍّ لا يعترف به كصاحب سيادة مكتملة، وبواقعٍ محليٍّ تحدّه القيود والاشتراطات، ما يحوّل الوثيقة من عنوان كرامة وطنية إلى شاهدٍ على هشاشة الوضع القانوني والسياسي.
التهجير القانوني يظهر حين يُدفع المواطن دفعاً نحو البحث عن الاستقرار خارج وطنه نتيجة التضييق الاقتصادي، أو القيود الإدارية، أو غياب الأفق السياسي والاجتماعي. يظهر حين يصبح السفر بلا عودة خياراً اضطرارياً، لا طوعياً، وحين تتحول الهجرة إلى بديل عن الأمل. وهو تهجير لا تُطلق فيه رصاصة، لكنه يحقق النتيجة ذاتها: إفراغ الأرض من طاقاتها البشرية.
إن حركة عدالة ترى أن القضية لا تقف عند حدود وثيقة سفر أو إجراء إداري، بل تتعلق بجوهر العلاقة بين المواطن والدولة. فالدولة التي تعجز عن حماية حق مواطنيها في البقاء الكريم على أرضهم، أو عن تعزيز مكانة وثائقهم السيادية، تفتح الباب — بقصد أو بغير قصد — لمسار التهجير المقنّع.
ومن هنا، فإننا نؤكد أن تعزيز صمود المواطن يبدأ بإجراءات عملية:
بناء منظومة اقتصادية واجتماعية تحمي الإنسان من الارتهان للهجرة.
الدفاع السياسي والقانوني عن الاعتراف الدولي الفعلي بجواز السفر الفلسطيني.
تطوير سياسات داخلية تعزز الانتماء والاستقرار لا الإحباط والانكفاء.
القضية ليست وثيقة سفر فقط، بل هي معركة سيادة وكرامة وطنية. وجواز السفر الفلسطيني يجب أن يكون عنوان حضور لا مقدمة غياب، ورمز تثبيت لا أداة تهجير.
وفي الختام، نقول: إن أخطر أشكال التهجير هو ذلك الذي يتم بصمت وتحت مظلة القانون، لأنه يهدد المستقبل دون أن يثير الضجيج. وعلى الجميع — قيادةً ومؤسسات — أن يدركوا أن حماية الإنسان الفلسطيني على أرضه هي جوهر المشروع الوطني، وأي تقصير في هذا الواجب هو تفريط لا يمكن تبريره.
الكاتب من فلسطين