براءة تندفن تحت المطر: طفل يبيع المناديل عند الإشارة

بقلم: د. منى النحلاوي ….

 

كان المطر ينهمر والبرد قارسًا، وكنت أراقب من خلف نافذة السيارة طفلًا يجلس تحت الإشارة الضوئية. في عينيه براءة تائهة، وعلى ثيابه آثار زمنٍ لم يرحم طفولته. حمل في يده مناديل ورقية، منتظرًا الضوء الأحمر ليندفع مسرعًا بين السيارات عارضًا بضاعته الصغيرة. في تلك اللحظة بدا وكأن الزمن انتزع منه حقه الطبيعي في اللعب، واستبدل طفولته بسباقٍ يومي خلف لقمة العيش.

أطفال الشوارع ليسوا مشهدًا عابرًا عند إشارات المرور، بل مؤشرًا مؤلمًا على خلل اجتماعي عميق. فالطفل الذي يُدفع إلى التسول أو العمل القسري لا يختار هذا الطريق بإرادته، بل تقوده ظروف الحاجة إلى مواجهة الحياة في سن كان يفترض أن تُكرَّس للتعلم وبناء الأحلام.

“كل طفل يقف عند الإشارة ليبيع مناديل لا يطلب صدقة، بل يذكّرنا بأن طفولة كاملة تُسلب بصمت أمام أعين مجتمع اعتاد المشهد ونسي الألم.”

حين تتحول الطفولة إلى وسيلة للرزق، نفقد جزءًا من إنسانيتنا الجماعية. فاللعب والتعليم والأمان ليست امتيازات، بل حقوق أساسية تُبنى عليها حياة متوازنة. ومع ذلك، يعيش كثير من هؤلاء الأطفال واقعًا قاسيًا يسلبهم هذه الحقوق ويضعهم في دائرة الاستغلال والحرمان.

ورغم وجود قوانين لحماية الطفل، فإن المسافة بين النصوص المكتوبة والتطبيق الفعلي ما زالت واسعة. فالقوانين التي تبقى حبيسة الأوراق تفقد قيمتها، بينما يستمر الأطفال في دفع ثمن هذا القصور. كما أن دور المؤسسات المعنية يظل محل تساؤل حين لا تنعكس جهودها بوضوح على حياة هؤلاء الصغار.

قضية أطفال الشوارع ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله. إنقاذ هؤلاء الأطفال يبدأ بالاعتراف بأنهم ضحايا ظروف أقسى من أعمارهم، ويتطلب تعاون الأسرة والمؤسسات والدولة لإعادتهم إلى مكانهم الطبيعي: في المدرسة، وفي ساحة اللعب، وفي بيئة آمنة تحفظ كرامتهم.

فكل طفل ينتظر الضوء الأحمر ليبيع مناديل عند الإشارة يرفع في الحقيقة ناقوس خطر صامت أمام أعيننا جميعًا، مطالبًا بحق بسيط: أن يُسمح له بأن يكون طفلًا.

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا