عظمةُ العُروضِ الإلهيّةِ واغتنامُها وحسرةُ المُعرِضينَ عنها
عدنان عبدالله الجنيد ….
محتوى التحليل:
قراءةٌ في مضامين المحاضرة الرمضانية الأولى للسيد القائد العلم عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، حيث يضعنا القائد أمام مسؤولية استيعاب المنحة الإلهية في شهر رمضان بوصفها مسارًا تصحيحيًا شاملًا لمواجهة حالة التيه والشتات والاختلال التي تعصف بالأمة في هذه المرحلة الحرجة.
أولًا: اغتنامُ العُروضِ الإلهيّة:
إنّ العروض الإلهية في شهر رمضان ليست موسماً عابراً، بل فرصة إنقاذٍ شاملة، وميدانًا لترميم الخلل، واستعادة التقوى بوصفها الركيزة التي تُعاد بها صناعة الإنسان والأمة معًا. وقد أكّد قائدُ الثورة أنّ التقوى هي المكسب المركزي الذي خسرته الأمة نتيجة تفريطها، ولا سبيل لاستعادته إلا بالاغتنام الواعي لهذا الموسم العظيم، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
فالتقوى هنا ليست حالةً وجدانيةً فردية، بل مشروعَ نهوضٍ جماعي، تُبنى به المواقف، وتُحصَّن به الأمة من الاستقطاب الغربي الممنهج، ليكون المؤمن أقدر على الالتزام، وأعمق صلةً بالله، وأقوى ثباتًا في معركة الوعي والهوية.
ثانيًا: حسرةُ المُعرِضينَ عن العرضِ الإلهي:
رسم القرآن الكريم مشاهد الحسرة بوضوحٍ صادم، ليكون زاجرًا للنفوس الغافلة، ومذكّرًا بعواقب الإعراض. تبدأ الحسرة عند الموت، حين يدرك الإنسان حجم التفريط، فيتمنى الرجوع لإصلاح ما أفسد:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا﴾،
ثم تتجدد حسرة يوم الحشر، حين تنكشف الحقيقة وتسقط الأعذار:
﴿يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي﴾،
لتبلغ ذروتها في الحسرة الكبرى يوم جهنم، حيث لا رجعة ولا تدارك.
إنّ ضعف الاستيعاب لهذه العروض الإلهية، والانشغال الممنهج بتقليص الصلاح، قادا الأمة إلى حالة العماء الجماعي؛ عماءٍ عن الفهم، وإعراضٍ متعمّد عن الهداية، حتى غدت الفرص الإلهية تمرّ دون أثرٍ يُذكر.
ثالثًا: تصحيحُ المفاهيمِ التي ذلَّت بها الأمةُ تحتَ مَن ضُرِبَت عليهم الذلّةُ والمسكنة:
إنّ عدم حصول الأمة على الثمرة الكاملة من هذه العروض الإلهية دليلٌ قاطع على اختلالٍ عميق في الفهم والسلوك. فالذلّ الذي تعيشه الأمة اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة طبيعية للتكذيب والتفريط، كما يبيّن القرآن الكريم:
﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾.
وحين فقدت الأمة ميزان التقوى، سُلِّط عليها من لا يملك قيمها ولا أخلاقها، فكان الذل نتيجة حتمية لانقلاب المفاهيم. والخروج من هذا المأزق يبدأ بـ تصحيح النظرة إلى أوامر الله ونواهيه، وبالثقة المطلقة بأن التقوى هي المخرج الوحيد:
﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا﴾.
ويأتي شهر رمضان ليكون ميدان التصحيح الشامل:
تعزيز العلاقة بالقرآن كتاب الهداية، إحياء المساجد بالذكر الصادق: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾، الارتقاء الإيماني والأخلاقي، والعمل الصالح والإحسان؛ وهي مسارات كفيلة بمعالجة الاختلالات في كل المجالات.
الخاتمة:
نحمدُ الله على نعمة الهداية، وأعظمُ النعم أن بعثنا في زمن السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، لنغتنم العروض الإلهية بوعيٍ وبصيرة، لا بغفلةٍ ولا تسويف.
إنّ دعوته لمرافقة الأمة خلال الشهر الكريم ليست خطابًا عاطفيًا، بل برنامج إنقاذٍ قرآني يستوجب الاستجابة العملية، وترك إهدار الأعمار في تفاهات مواقع التواصل، والإجابة الصادقة لداعي الله.
فالاستجابة اليوم ليست خيارًا تعبديًا فحسب، بل موقفٌ مصيري تُقاس به النجاة أو الحسرة؛ فمن لبّى اليوم نجا غدًا، ومن أعرض فالحسرة موعده.
الكاتب من اليمن