فادي السمردلي يكتب: الاعتداء على ذوي الإعاقة… جريمة بحق المجتمع قبل الفرد
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
شهدت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو مصور يُظهر فيه اعتداءً واضحاً على شاب من ذوي الإعاقة الفيديو، الذي انتشر بسرعة وأثار موجة غضب واسعة، أظهر سلوكاً عنيفاً ومهيناً بحق شخص أعزل، في مشهد صادم لا يمكن تبريره تحت أي ظرف والجهات الأمنية تحركت وألقت القبض على المتورطين، فيما أعلنت الجهات المعنية متابعة القضية قانونياً فهذه هي الوقائع باختصار، لكنها لا تختصر حجم الجرح الأخلاقي الذي تركته الحادثة في الوعي العام.
الاعتداء على ذوي الإعاقة ليس حادثة عابرة يمكن طيّها بعد أيام من الضجيج الإعلامي فهو فعل يكشف خللاً أعمق في نظرة بعض الأفراد إلى الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع فحين يُستهدف شخص بسبب ضعفه أو اختلافه، فإن الاعتداء لا يقع عليه وحده، بل يصيب فكرة العدالة ذاتها. فالمجتمع الذي يسمح – ولو بصمته – بإهانة الأضعف، يضعف هو أيضاً، لأنه يتنازل عن أحد أهم معايير إنسانيته.
ذوو الإعاقة ليسوا فئة هامشية، ولا حالة استثنائية فهم جزء أصيل من النسيج الاجتماعي، لهم ما لغيرهم من حقوق وعليهم ما على غيرهم من واجبات فالحق في الكرامة، في الأمان، في الاحترام، حقوق غير قابلة للتفاوض أو الانتقاص وعندما يتم الاعتداء على شخص من ذوي الإعاقة، فإن الأمر يتجاوز إطار العنف الفردي ليصبح اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع بحماية أضعف أفراده.
القوانين وُجدت لتردع مثل هذه الأفعال، وهي تنص بوضوح على تجريم الاعتداء بكافة أشكاله، مع تشديد العقوبة إذا كان المعتدى عليه من الفئات الأكثر عرضة للخطر ولكن التجربة تثبت أن النصوص وحدها لا تكفي فالردع القانوني ضروري، لكنه يأتي بعد وقوع الضرر أما الحماية الحقيقية فتبدأ قبل ذلك بكثير تبدأ بثقافة عامة ترفض التنمر، تجرّم السخرية، وتُدين أي استغلال للضعف الإنساني.
المشكلة ليست فقط في يدٍ امتدت بالاعتداء، بل في عقلٍ رأى في شخص ذي إعاقة هدفاً سهلاً، لذلك فإن المواجهة لا تكون أمنية فحسب، بل تربوية وثقافية وإعلامية فالمدرسة مسؤولة عن غرس مفهوم التنوع وقبول الآخر. الأسرة مسؤولة عن تربية أبنائها على أن الاختلاف ليس مادة للضحك أو الاستقواء والإعلام مسؤول عن تقديم صورة عادلة ومنصفة لذوي الإعاقة، بعيداً عن الشفقة المبالغ فيها أو التهميش الصامت.
كما أن حماية ذوي الإعاقة تتطلب وجود قنوات واضحة للإبلاغ عن أي انتهاك، وضمان سرعة الاستجابة، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للضحايا وأسرهم فالأذى الذي يتعرض له شخص في لحظة اعتداء قد يزول جسدياً، لكن أثر الإهانة يمكن أن يبقى طويلاً إن لم تتم معالجته بعناية ومسؤولية والمجتمع المتحضر لا يكتفي بمعاقبة الجاني، بل يحرص على ترميم ما انكسر داخل الضحية.
حادثة إربد يجب ألا تُختزل في خبر عابر أو ترند مؤقت فهي فرصة مؤلمة لإعادة تقييم موقع ذوي الإعاقة في سياساتنا وممارساتنا اليومية هل نراهم شركاء كاملين في المجتمع؟ هل نهيئ لهم بيئة آمنة بالفعل، أم نكتفي بشعارات عامة عن الدمج والمساواة؟ الإجابة لا تكون بالتصريحات، بل بالأفعال الملموسة.
في النهاية، الاعتداء على ذوي الإعاقة جريمة بحق المجتمع قبل أن تكون بحق الفرد، لأنه يكشف مستوى العدالة التي نتمتع بها فعلياً فالمجتمعات تُقاس بقدرتها على حماية الأضعف، لا بقوة الأقوى فيها وإذا أردنا أن نكون مجتمعاً يحترم نفسه، فعلينا أن نرسّخ مبدأ بسيطاً وحاسماً كرامة ذوي الإعاقة ليست موضوع نقاش، بل خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه تحت أي ظرف.
الكاتب من الأردن