تصريحات مايك هاكابي بين التهويل السياسي وسقوط الشرعية القانونية

محي الدين غنيم  …..

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تأتي التصريحات المنسوبة إلى السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي بشأن “السيطرة على كامل الشرق الأوسط” لتثير عاصفة من القلق المشروع، ليس فقط على المستوى السياسي بل على صعيد القانون الدولي ومرتكزات النظام العالمي المعاصر.
هذه اللغة إن صحت لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد زلة لسان أو اجتهاد شخصي؛ فهي تمس جوهر مبدأ سيادة الدول وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو المبدأ الذي قامت عليه منظومة الأمم المتحدة منذ عام 1945، وأُعيد التأكيد عليه في عشرات القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي.
إن القانون الدولي ليس وجهة نظر والميثاق المؤسس للأمم المتحدة واضح في حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. كما أن قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة شددت مرارًا على عدم شرعية الضم أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
وعليه، فإن أي حديث عن “مشاريع توسعية” أو “خرائط كبرى” يتجاوز حدود الخطاب السياسي إلى منطقة الاصطدام المباشر مع القانون الدولي. فالنزاعات الإقليمية لا تحسم بالتصريحات الأيديولوجية بل بالمفاوضات والالتزام بالشرعية الدولية.
إن تناقض مع الموقف الأمريكي المعلن فإن الأمر اللافت أن مثل هذه التصريحات  إذا وُضعت في سياقها  تتناقض مع ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مناسبات سابقة بشأن رفض خطوات الضم الأحادي في الضفة الغربية. فالإدارة الأمريكية، أيًا كان توجهها السياسي تظل مطالبة بالانسجام بين خطابها الدبلوماسي والتزاماتها الدولية.
التباين بين الدعوة إلى “الاستقرار الإقليمي” من جهة، والتلميح إلى مشاريع هيمنة جغرافية من جهة أخرى، يضعف مصداقية الخطاب الأمريكي في المنطقة ويعزز الانطباع بوجود ازدواجية في المعايير.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة توترات متراكمة، سواء في غزة أو لبنان أو البحر الأحمر أو في ظل التصعيد بين إسرائيل وإيران. وفي مثل هذا المناخ يصبح للغة السياسية وزن استثنائي؛ فالكلمات قد تشعل ما تعجز الأسلحة عن احتوائه.
إن الإصرار على استخدام مفردات السيطرة أو إعادة رسم الخرائط لا يخدم سوى مناخ الاستقطاب الحاد ويقوض أي فرصة لبناء مسار سياسي قائم على حل الدولتين أو على ترتيبات أمنية إقليمية متوازنة.
والسفير ليس ناشطًا سياسيًا بل ممثل رسمي لدولة كبرى يفترض أن تلتزم بأعلى درجات الانضباط الدبلوماسي. وأي انحراف عن هذا الدور ينعكس سلبًا على صورة الدولة التي يمثلها وعلى قدرتها على لعب دور الوسيط أو الضامن في النزاعات.
من هنا، فإن الرد الأنسب على مثل هذه التصريحات لا يكون بلغة الانفعال، بل بالتشديد على الثوابت القانونية: احترام سيادة الدول.
والتمسك بقرارات الشرعية الدولية كأساس لأي تسوية.
إن المنطقة لا تحتاج إلى خرائط متخيلة، بل إلى التزام حقيقي بالقانون الدولي. ولا تحتاج إلى شعارات توسعية بل إلى مسار سياسي يضمن الحقوق المشروعة لجميع الشعوب.
إن قوة الدول لا تقاس بقدرتها على فرض الوقائع بل بمدى احترامها للقواعد التي تنظّم العلاقات بين الأمم. وأي خطاب يتجاوز هذه القواعد مهما علا سقفه، يبقى بلا شرعية سياسية أو قانونية في عالم يُفترض أنه يقوم على سيادة القانون لا على منطق القوة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا