إذا فشلت المفاوضات الإيرانية – الأمريكية في عاصمة السلام مسقط هل ستقع حرب كبرى …؟

المحامي الدولي فيصل الخزاعي الفريحات  …..

 

الإجابة المباشرة على هذا السؤال قد تكون “غالباً” ستقع الحرب، صحيح أن هناك مفاوضات تجري حالياً بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية برعاية سلطنة عُمان الدولة المحبة للسلام والأستقرار، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المفاوضات لا تمثل ضمانة لعدم إستخدام القوة، ولا يعود ذلك فقط إلى الخبرة السابقة لتلك المفاوضات عندما أندلعت حرب الإثنى عشر يوماً الإجرامية في 13 يونيو 2025، قبل إجراء الجولة السادسة منها بثمانٍ وأربعين ساعة، وإنما يعود أيضاً إلى العقبات ألتى تقف حائلاً دون إبرام صفقة محتملة خلال هذه المفاوضات، فضلاً عن المُحفِّزات ألتي يمكن أن تدفع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحتى إيران نفسها إلى تفضيل سيناريو الحرب، كلُ وفقاً لحساباته ومصالحه.
* بتقديري الحرب الكبرى متوقعة في الحالتين*
المفارقة تكمن هنا في أن الحرب قد تصبح إحتمالا ً مرجحاً في حالتي فشل المفاوضات أو نجاحها، ففي حالة الفشل، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سوف تتجه إلى إستخدام القوة من أجل تسوية الخلافات العالقة مع إيران، والتي لا تنحصر في البرنامج النووي، وإنما تمتد إلى البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي، الحشد العسكري الكبير والمستمر للولايات المتحدة الأمريكية بالقرب من حدود إيران يفيد أن واشنطن تستعد لحرب واسعة النطاق ضد إيران، وليس ضربات عسكرية خاطفة ومحددة الأهداف، قد تختلف إلى حد كبير عن حرب يونيو الماضي باعتبار أن ” بنك الأهداف ” سيكون مختلفاً، ورغم أن الهدف الأوّلي لهذا الحشد هو ممارسة أقصى مستوى من الضغوط على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات الحالية والأستجابة للشروط الأمريكية الخاصة بإبرام صفقة محتملة، فإنه قد يستخدم في النهاية في حالات ثلاثة محتملة :
الأولى : إذا رفضت إيران تقديم هذه التنازلات.
الثانية : إذا وصلت الإدارة الأمريكية إلى قناعة – تدعمها أتجاهات عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل – بأن المفاوضات الحالية تمثل “إهداراً للوقت”، وأن حجم القوات ألتي وصلت إلى المنطقة يتيح لها خيارات أوسع مقارنة بما كان عليه الوضع قبل إجراء تلك المفاوضات.
الثالثة : إذا كانت واشنطن تستغل المفاوضات في الأساس لكسب الوقت من أجل تجميع هذه القوات.
أما في حالة نجاح المفاوضات والوصول إلى صفقة، فإن إسرائيل قد تتولى المهمة، إذ تكشف المؤشرات المتاحة أن المفاوضات تجري حصراً حول البرنامج النووي الإيراني وأن أي صفقة محتملة في هذا الصدد سوف تكون حول هذا البرنامج، ومن دون شك، فإن ذلك لا يستوعب حسابات ومصالح إسرائيل، ألتى ربما ترى أن البرنامج الصاروخي الإيراني أصبح الأكثر خطورة حالياً بفعل عاملين :
أولهما : أن البرنامج النووي تعرَّض بالفعل لأضرار كبيرة خلال حرب يونيو الماضي وبأعتراف القيادة الإيرانية، عندما قصفت الولايات المتحدة الأمريكية المفاعلات الثلاثة : فوردو ونطنز وأصفهان، ورغم أن هذا القصف لم يسفر عن تدمير البرنامج النووي – كما يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – إلا أنه يمكن القول إنه ساهم في إبطاء حركته ووقف التقدم الذي نجحت إيران في إنجازه على مدى مرحلة ما قبل الحرب.
ثانياً : أن الصواريخ الباليستية الإيرانية وصلت إلى عمق إسرائيل بالفعل وأحدثت أضراراً وخسائراً كبيرة في تل أبيب وحيفا وبئر السبع وفي مرافق عسكرية وأمنية وأقتصادية، لم تكن تتوقعها الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب وعلى رأسها المجرم النتن ياهو المطلوب للعدالة الدولية، حيث لم تستطع منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية التصدي لمجمل الهجمات الصاروخية ألتى وصلت إلى تل أبيب وبعض المدن في إسرائيل، ورغم أن تل أبيب تعمدت التعتيم على بعض الخسائر ألتي تعرَّضت لها بسبب هذه الهجمات الصاروخية، فإن ما كُشِف عنه يتيح القول بأن هذه الهجمات كانت مؤثرة إلى حد كبير ومثلت دافعاً لدى تل أبيب لمطالبة واشنطن بالتدخل فوراً لوضع حد للحرب بعد مرور إثنى عشر يوماً فقط.
هنا، لا يمكن إستبعاد أن يكون إقدام إسرائيل على شن الحرب ضد إيران محور تفاهمات مسبقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، تقضي بأن تتولى الأخيرة مهمة ” الإنتهاء من الخطر النووي” عبر إنجاز صفقة مع إيران، وتتعهد الأولى بمهمة “الانتهاء من الخطر الصاروخي”، عبر شن حرب ضد طهران، على أن تكتفي واشنطن في هذه الحالة بالمشاركة في التصدي للهجمات الإيرانية المتوقعة ضد إسرائيل في حالة تحقق هذا السيناريو دون التدخل في الهجمات ألتي يتعرَّض لها البرنامج الصاروخي مباشرة.

*القاسم المشترك لكل ما تحدثت به*
اللافت هنا حسب تقديري وتحليلي لما يجري من مفاوضات في عاصمة السلام مسقط، أن إيران ربما ترى بدورها أن الحرب قد تكون خياراً ملائماً لحساباتها في المرحلة الحالية، صحيح أن ذلك يمثل مغامرة قد تكون غير محمودة العواقب وغير محسوبة النتائج، لكن الصحيح أيضاً أن هذا الخيار قد يُرتِّب بالنسبة لإيران معطيات جديدة تتوائم مع تلك الحسابات والمصالح.
بدايةً، فإن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي وقيادتها لا يستطيعون الأستجابة لمجمل الشروط الأمريكية الخاصة بالصفقة، إذ أنها ترفض بالطبع تقليص مدى صواريخها الباليستية بعد أن أثبتت الحرب الماضية أن تلك الصواريخ هي السلاح الأساسي الفعّال الذي أستخدمته إيران وكان له تأثيرات مباشرة على الأرض، بدت واضحة في صور الدمار الذي حدث في تل أبيب وحيفا وغيرها من المدن، وألتى تعيد للأذهان مباشرة صور الدمار ألتي أحدثتها إسرائيل نفسها في غزة ولبنان وسوريا، وفي رؤية طهران، فإن تخفيض مدى الصواريخ يعني السماح ببساطة لتل أبيب بـ”التسيُد” عبر شن ضربات مستمرة ضدها دون أن يكون لديها ما يمكن أن تنخرط من خلاله في المواجهة معها.
هنا، فإن إيران ربما تكون قد وصلت إلى مقاربة واضحة في هذا الصدد، وهى أن كُلفة الأنخراط في الحرب – حتى لو كانت مع القوة الدولية الرئيسية على مستوى العالم والإقليم – قد تكون أقل من كُلفة تقديم هذه التنازلات، إذ أن تقديم هذه التنازلات يمثل – وفقاً للرؤية الإيرانية – “وصفة ممتازة للأنهيار”، لاسيما أن إيران لن تستطيع تمريرها في الداخل بعد أن رفعت سقف التحدي على مدى المرحلة الماضية، واعتبرت أن “التضحيات” ألتي قدمتها في سبيل تطوير برنامجيها النووي والصاروخي فضلاً عن نفوذها الإقليمي تضع حداً لأى تنازلات قد تقبل بها في هذا الصدد.
إلى جانب ذلك، فإن إيران ربما ترى أن الأنخراط في حرب مع الولايات المتحدة الأمريكية قد ينتج معطيات جديدة تفرض على الأخيرة إعادة صياغة سياستها في مرحلة لاحقة، خاصة في حالة ما إذا فشلت في تحقيق أهدافها من تلك الحرب – وهى غير واضحة حتى الآن – أو في حالة ما إذا نجحت إيران في رفع “أثمان” تلك الحرب عبر توسيع نطاقها لتتحول إلى حرب إقليمية تغطي مساحات شاسعة من المنطقة حسب ما هدد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي أكثر من مره.
بعبارة أخرى، فإن المقاربة الإيرانية تقضي بأن أنخراط واشنطن في حرب مُكلِّفة مع طهران يمكن أن يدفعها إلى القبول بالوصول إلى صفقة “مشروطة” بعد ذلك، تتضمن مطالب “أكثر تواضعاً” ويمكن أن تقبل بها إيران وتستطيع تمريرها في الداخل، من دون شك، فإن ما سبق في مجمله يبقى مجرد إفتراضات وتحليلات يمكن أن تتعرض لأختبارات صعبة في المرحلة القادمة، كما أن التفكير في خيار إستخدام القوة قد يكون “مغامرة” لأى من الأطراف الثلاثة : الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، فالقاعدة تقول أنه قد يكون من السهل بدء حرب لكن ربما يكون من الصعب إنهاءها.

المحامي الدولي فيصل الخزاعي الفريحات

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا