فادي السمردلي يكتب: البناء الوطني للعمل الحزبي بين أزمة الأسماء وضرورة الفكرة
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
البناء الوطني للعمل الحزبي في الأردن ليس مسألة شكلية تُحلّ بإشهار حزب جديد أو عقد مؤتمر صحفي صاخب، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضج الحياة السياسية وقدرتها على إنتاج مؤسسات لا أفراد، وبرامج لا شعارات فمنذ تأسيس الدولة الأردنية في عهد الملك عبد الله الأول، مرورًا بمراحل التحول الكبرى في عهد الملك الحسين بن طلال، وصولًا إلى مسار التحديث السياسي الذي يتبناه الملك عبد الله الثاني، ظلّ السؤال مطروحًا هل نريد أحزابًا حقيقية تُنتج قيادات وطنية، أم منصات شخصية يتناوب عليها باحثون عن لقب؟
العمل الحزبي في الأردن عانى طويلًا من انقطاع وتراجع، ثم عاد إلى الواجهة مع عودة الحياة البرلمانية لكن عودته لم تكن ولادة مكتملة بل أشبه بمحاولة إنعاش لمريض أرهقته سنوات الجمود فالمشكلة لم تكن فقط في القوانين، بل في الذهنية التي تعاملت مع الحزب إما كعبىء أو كدرجٍ للصعود الشخصي وبين هذين التصورين ضاعت الفكرة الجوهرية: الحزب أداة تنظيم وطني، لا ملكية خاصة.
أخطر ما يهدد بناء العمل الحزبي اليوم هو الارتهان للأسماء بدل الفكرة فعلى الأحزاب أن لا تعتمد على قادة بالاسم، همّهم المسمى والمنصب، يلمع حضورهم في الصور أكثر مما يلمع في الميدان، ويُتقنون لغة الخطابة أكثر مما يُتقنون صناعة السياسات فالحزب الذي يُبنى حول شخص، يسقط بسقوطه، ويتشقق بخلافه، ويتحول إلى ساحة صراع على الكرسي لا على البرنامج فالعمل الحزبي الوطني لا يُختزل في زعيم، ولا يُختصر في توقيع رئيسه.
الحزب الحقيقي يُقاس بقدرته على إنتاج صفّ ثانٍ وثالث من القيادات، وبقدرته على تداول السلطة داخله قبل أن يطالب بتداولها في الدولة. أما حين يُحتكر القرار داخل دائرة ضيقة، ويُقصى المختلفون، وتُدار الاجتماعات بعقلية “الزعيم الملهم”، فإن النتيجة تكون نسخة مشوهة من العمل السياسي، لا تختلف كثيرًا عن الفردية التي يدّعي الحزب معارضتها.
بناء حزب وطني في الأردن يعني أولًا صياغة برنامج واضح لا يحتمل التأويل الفضفاض وماذا نريد من الاقتصاد؟ كيف نعالج البطالة؟ ما رؤيتنا للضرائب، وللتعليم، وللإدارة العامة؟ لا يكفي أن نرفع شعارات عامة عن الإصلاح ومحاربة الفساد فالناس لم تعد تُخدع بالعبارات الكبيرة. الناخب الأردني يريد إجابة مباشرة كيف ستؤثر سياساتكم على حياته اليومية؟ كيف ستخلقون فرصة عمل لابنه؟ كيف ستخفضون كلفة المعيشة؟
كما أن على الأحزاب أن تنزل من أبراجها المغلقة إلى الشارع الحقيقي فلا يكفي عقد ندوات في العاصمة أو بيانات مكتوبة بلغة متعالية فالحزب الوطني يجب أن يكون حاضرًا في الأطراف كما في المركز، في القرى كما في المدن، في الجامعات كما في النقابات والشباب تحديدًا هم الرهان الأكبر فإذا ظلّ العمل الحزبي يدور في فلك وجوه تقليدية تخشى التجديد، فسيفقد الجيل الجديد ثقته به، وسينسحب إلى اللامبالاة، وهي أخطر من المعارضة.
التحديث السياسي الذي تشهده البلاد اليوم يفتح نافذة تاريخية أمام الأحزاب لكنه في الوقت ذاته يضعها تحت المجهر فلم يعد مقبولًا أن تبقى بعض الأحزاب كيانات هلامية تنشط فقط قبيل الانتخابات فالمطلوب عمل يومي، تواصل مستمر، شفافية مالية، وديمقراطية داخلية حقيقية فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية بين أعضائه، لن يكون أمينًا عليها إذا وصل إلى البرلمان أو الحكومة.
الانتقال إلى برلمانات قائمة على الكتل الحزبية البرامجية هو هدف استراتيجي لأي دولة تسعى إلى الاستقرار السياسي ولكن هذا الهدف لن يتحقق حتى لو تواجدت في البرلمان ما دامت بعض الأحزاب تُدار بعقلية النادي المغلق، أو الجمعية الاجتماعية، أو المشروع الشخصي فالسياسة ليست وجاهة اجتماعية، ولا بطاقة تعريف إضافية فهي مسؤولية ثقيلة تتطلب استعدادًا للمحاسبة، وقبولًا بالنقد، وتضحية بالذات من أجل الفكرة.
بناء العمل الحزبي الوطني في الأردن هو معركة ضد الشخصنة وضد السطحية وضد الخوف المتبادل بين المجتمع والسياسة فهو مشروع يتطلب شجاعة من الدولة في توسيع المجال العام، وشجاعة من الأحزاب في إصلاح بنيتها الداخلية، وشجاعة من المواطن في كسر حاجز التردد وعندما تتحول الأحزاب إلى مؤسسات حقيقية تُدار بالفكر لا بالأسماء، وبالبرنامج لا بالمسمى، عندها فقط يمكن القول إن الأردن دخل مرحلة سياسية جديدة، يكون فيها الحزب أداة بناء وطني لا منصة طموح فردي.
الكاتب من الأردن