ترامب وفقدان السيطرة

بقلم: العقيد المتقاعد ليث المجالي ….

 

في العلوم الاستراتيجية تُعرَّف الحرب الاختيارية بأنها الحرب التي تُشن دون اعتداء مباشر يفرضها. وغالبًا ما تكون هذه الحروب نتيجة تقديرات خاطئة أو رهانات سياسية غير محسوبة. ومن هذا المنطلق، فإن أي مواجهة عسكرية مع إيران تندرج في هذا الإطار تمنح طهران تفوقًا سياسيًا واضحًا، لأنها تستطيع تقديم نفسها للعالم بوصفها الطرف الذي يتعرض للضغط والعدوان، لا الطرف الذي بدأ المواجهة.
المفارقة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل هذا المسار وهو يرفع شعار الضغط الأقصى من أجل اتفاق أفضل، لكن الوقائع تشير إلى أنه وجد نفسه في نهاية المطاف أمام مأزق سياسي واستراتيجي معقد. فالهدف الحقيقي لم يكن مجرد ضربات عسكرية أو عمليات تدمير محدودة، بل السيطرة على ملف اليورانيوم المخصب وفرض ترتيبات نووية جديدة. غير أن المشكلة الجوهرية بقيت قائمة:
لا أحد يملك يقينًا كاملًا بمكان وجود هذا اليورانيوم أو بقدرة الضربات العسكرية على إنهاء البرنامج النووي الإيراني.
والأكثر إثارة للجدل أن المفاوضات كانت تقترب من صيغة اتفاق قد يمنح واشنطن مكسبًا سياسيًا واستراتيجيًا معتبرًا، قبل أن تسارع إسرائيل إلى فرض منطق الحرب ورفع سقف الأهداف إلى حد السعي لإسقاط النظام الإيراني. وهو هدف يبدو، وفق معظم القراءات الواقعية، أقرب إلى الشعار السياسي منه إلى الخطة القابلة للتنفيذ.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية:
فبدل استثمار فرصة اتفاق سياسي ممكن، جرى القفز إلى هدف استراتيجي بالغ الخطورة والتعقيد قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة لا يمكن التحكم بمآلاتها.
وفي ظل هذه المعادلة، تتجمع عوامل ضغط إضافية:
احتمال انفجار أزمة طاقة عالمية، تهديد الملاحة في مضيق هرمز، استعداد إيران لحرب استنزاف طويلة الأمد، إضافة إلى التحديات الجغرافية والعملياتية التي تجعل أي مواجهة طويلة عبئًا ثقيلًا على إسرائيل.
إن القراءة الواقعية تشير إلى أن استمرار هذا المسار قد يحول الحرب من أداة ضغط سياسي إلى فخ استراتيجي يستنزف الجميع دون تحقيق أهداف واضحة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجنبه كثيرون:
هل يملك ترامب فعلًا القدرة السياسية على ضبط إيقاع القرار الإسرائيلي؟ أم أن الولايات المتحدة وجدت نفسها، مرة أخرى، مندفعة خلف سياسات حليف يحدد سقف التصعيد ويضع واشنطن أمام الأمر الواقع؟
أما الحديث عن خيارات عسكرية مثل إنزال قوات خاصة – كقوات الفرقة 82 المحمولة جوًا – للسيطرة على المواقع النووية والبحث عن اليورانيوم، فهو أقرب إلى السيناريو النظري منه إلى خطة قابلة للتنفيذ في مسرح عمليات معقد ومتعدد الجبهات.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في الحروب الاختيارية ليس بدايتها، بل اللحظة التي تفقد فيها القيادة السياسية القدرة على التحكم بمسارها.
وعند تلك اللحظة تحديدًا، تتحول الحرب من أداة لتحقيق الأهداف إلى عبء استراتيجي يهدد صانعي القرار أنفسهم.
والتاريخ مليء بأمثلة قادة اعتقدوا أنهم يقودون الحرب… قبل أن يكتشفوا متأخرين أن الحرب هي التي أصبحت تقودهم.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا