فادي السمردلي يكتب: من الودائع إلى الاستثمار الإنتاجي إعادة توجيه رأس المال في زمن التحولات النقدية

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لم يعد الاعتماد على الودائع البنكية وحدها خياراً كافياً لإدارة المدخرات أو تحقيق عوائد حقيقية على رأس المال، خصوصاً في اقتصادات نامية تسعى إلى تحفيز النمو وتعزيز الإنتاج ففي الحالة الأردنية، يبرز هذا النقاش بوضوح مع ارتفاع حجم الودائع في الجهاز المصرفي مقابل الحاجة المتزايدة إلى استثمارات إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل وتحفيز النشاط الاقتصادي.

يمتلك الأردن قطاعاً مصرفياً يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والملاءة، وقد نجح هذا القطاع خلال السنوات الماضية في جذب مستويات مرتفعة من الودائع من الأفراد والشركات وتشكل هذه الودائع ركيزة أساسية في استقرار النظام المالي، كما تعكس مستوى جيداً من الثقة بالقطاع المصرفي إلا أن الجزء الأكبر من هذه السيولة يبقى في إطار الأدوات التقليدية منخفضة المخاطر، وهو ما يجعل دورها في تحفيز الاقتصاد الحقيقي محدوداً مقارنة بما يمكن أن تحققه إذا تم توجيه جزء منها نحو استثمارات إنتاجية مدروسة.

الوديعة البنكية بطبيعتها أداة مالية تهدف أساساً إلى حفظ السيولة وتوفير درجة من الأمان المالي، وليس إلى تعظيم الثروة على المدى الطويل صحيح أن الفوائد المرتفعة التي شهدتها الأسواق في السنوات الأخيرة منحت المودعين عائداً جيداً نسبياً، إلا أن هذه الفوائد ارتبطت بظروف نقدية استثنائية مرتبطة بموجات التضخم العالمية وتشديد السياسات النقدية ومع بدء التوقعات العالمية بعودة أسعار الفائدة إلى مستويات أكثر اعتدالاً خلال السنوات المقبلة، فإن العائد الحقيقي على الودائع مرشح للتراجع، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أثر التضخم على القوة الشرائية للمدخرات.

في السياق الأردني، يصبح من المهم إعادة التفكير في كيفية توجيه جزء من هذه السيولة نحو الاقتصاد الإنتاجي. فالأردن يمتلك فرصاً استثمارية واعدة في قطاعات متعددة مثل الصناعة الغذائية، والتكنولوجيا الرقمية، والطاقة المتجددة، والسياحة، والخدمات اللوجستية فهذه القطاعات لا توفر فقط إمكانية تحقيق عوائد مالية مجزية على المدى الطويل، بل تسهم أيضاً في تعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.

تحويل جزء من الودائع إلى استثمارات إنتاجية يمكن أن يخلق أثراً اقتصادياً مضاعفاً فعندما يتم توجيه رأس المال إلى مشاريع إنتاجية، فإنه لا يظل مجرد رقم في حساب مصرفي، بل يتحول إلى نشاط اقتصادي حقيقي يولد فرص عمل جديدة، ويحفز الطلب على السلع والخدمات، ويرفع مستويات الدخل في المجتمع كما أن توسع المشاريع الإنتاجية يؤدي إلى زيادة الإيرادات الضريبية للدولة بشكل غير مباشر، ما يمنح المالية العامة مساحة أوسع لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة.

ومن ناحية أخرى، فإن زيادة الاستثمارات الإنتاجية تسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة التحديات الهيكلية التي يواجهها، وعلى رأسها معدلات البطالة المرتفعة والحاجة إلى تسريع وتيرة النمو الاقتصادي فالمشاريع الجديدة، خصوصاً في القطاعات ذات القيمة المضافة، يمكن أن تتحول إلى محركات حقيقية للنمو، وتساهم في توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد بدلاً من الاعتماد المفرط على القطاعات التقليدية.

كذلك فإن تنويع الاستثمارات بات ضرورة في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتقلب وعدم اليقين فالاعتماد على مصدر واحد للعائد، مثل الفوائد البنكية، يعرض المدخرات لمخاطر تآكل العائد الحقيقي مع تغير الظروف النقدية أما الاستثمار في أصول إنتاجية مدروسة، فإنه يمنح المستثمرين فرصة المشاركة في نمو الاقتصاد الحقيقي والاستفادة من العوائد التي تولدها الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

ولا يعني ذلك التخلي عن الودائع البنكية أو التقليل من أهميتها، فهي تظل جزءاً أساسياً من إدارة السيولة والمحافظة على الاستقرار المالي للأفراد والشركات غير أن التوازن بين الاحتفاظ بجزء من المدخرات في أدوات منخفضة المخاطر مثل الودائع، وتوجيه جزء آخر نحو استثمارات إنتاجية، يمثل نهجاً أكثر كفاءة في إدارة رأس المال.

في النهاية، فإن توجيه جزء من الودائع البنكية نحو الاستثمار الإنتاجي لا يخدم فقط مصلحة المستثمرين الباحثين عن عوائد أفضل على المدى الطويل، بل يساهم أيضاً في دعم الاقتصاد الأردني وتعزيز قدرته على النمو والاستدامة فكل دينار ينتقل من حالة السيولة الساكنة إلى مشروع منتج يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة حقيقية، تخلق فرصاً جديدة وتدفع عجلة الاقتصاد نحو مستقبل أكثر ديناميكية واستقراراً.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا