“في عمق المشهد” بين الواقعية السياسية ومتطلبات الأمن الوطني: هل المنطقة قادمة على استقرار هش أم تحوّل تاريخي؟

بقلم العقيد المتقاعد ليث المجالي. …..

 

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يقف صانع القرار أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الواقعية السياسية التي تفرضها موازين القوى، ومتطلبات الأمن الوطني التي تمثل جوهر بقاء الدولة واستقرارها؟ فالمشهد الإقليمي اليوم لا يتحرك وفق إيقاع ثابت، بل يتأرجح بين مسارات متعددة؛ بعضها يوحي ببوادر تهدئة مرحلية، بينما ينذر بعضها الآخر بتحولات أعمق قد تعيد تشكيل بنية الإقليم برمته.
لقد دخلت المنطقة مرحلة تتسم بتداخل غير مسبوق بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية. فالصراعات لم تعد مجرد نزاعات حدودية أو خلافات سياسية تقليدية، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية، والتنافس على النفوذ، والتحولات في النظام الدولي. وفي ظل هذا الواقع، باتت الواقعية السياسية خياراً شبه حتمي للدول التي تسعى إلى حماية مصالحها دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة قد تتجاوز قدرتها على الاحتمال.
ومع ذلك، فإن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الثوابت الوطنية أو القبول بالأمر الواقع دون حسابات دقيقة. بل هي، في جوهرها، إدارة ذكية للمخاطر، تقوم على قراءة متأنية لموازين القوى، واستثمار الفرص الممكنة دون التفريط في عناصر القوة الذاتية للدولة. فالدول التي نجحت تاريخياً في عبور فترات الاضطراب هي تلك التي استطاعت المواءمة بين البراغماتية السياسية والصلابة في حماية أمنها الوطني.
المؤشرات الحالية في الإقليم تحمل ملامح مزدوجة. فمن جهة، هناك جهود دبلوماسية ومحاولات لخفض التصعيد في بعض الملفات الساخنة، مدفوعة بإدراك متزايد لدى القوى الإقليمية بأن استمرار الصراعات يستنزف الموارد ويهدد الاستقرار الداخلي. ومن جهة أخرى، لا تزال بؤر التوتر قائمة، كما أن التنافس بين القوى الكبرى ينعكس بوضوح على المنطقة، ما يجعل أي تهدئة محتملة عرضة للهشاشة وقابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما نشهده هو مجرد استقرار هش يسبق جولة جديدة من الاضطرابات، أم أننا أمام مرحلة انتقالية تقود إلى تحوّل تاريخي في طبيعة العلاقات الإقليمية؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن المنطقة تعيش بالفعل لحظة مفصلية. فهناك مسار أول قد يقود إلى نوع من التوازن الإقليمي الجديد، يقوم على إدارة الصراعات بدلاً من تفجيرها، وعلى بناء ترتيبات أمنية غير معلنة تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار. أما المسار الثاني، فهو احتمال حدوث صدمة استراتيجية كبرى—سياسية أو عسكرية—تعيد رسم خرائط النفوذ وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة كلياً.
في ظل هذا المشهد المعقد، تصبح الحكمة الاستراتيجية للدول عاملاً حاسماً. فالأمن الوطني لم يعد يقتصر على القدرات العسكرية وحدها، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل الاستقرار الداخلي، والاقتصاد القادر على الصمود، والدبلوماسية النشطة التي تحسن قراءة التحولات الدولية وتوظيفها لصالح الدولة.
إن المرحلة الراهنة تفرض على الدول اعتماد سياسات مرنة، تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز القدرة الذاتية، وتجنب الانخراط في صراعات لا تخدم المصالح الوطنية. فالعالم يتجه نحو نظام دولي أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ، الأمر الذي يجعل القدرة على التكيّف مع التحولات شرطاً أساسياً للبقاء والاستقرار.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت المنطقة مقبلة على استقرار هش أو تحول تاريخي، بل ما إذا كانت دولها مستعدة للتعامل مع كلا الاحتمالين في آن واحد. فالتاريخ غالباً ما يكتب في لحظات الغموض الاستراتيجي، حين تضطر الدول إلى اتخاذ قرارات مصيرية في ظل مشهد لا تزال ملامحه قيد التشكل.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح وضوح الرؤية، وثبات البوصلة الوطنية، والقدرة على قراءة المستقبل بواقعية وهدوء، عوامل حاسمة في تحديد من سيكتفي بالتأثر بالتحولات… ومن سيكون قادراً على التأثير فيها.
#في_عمق_المشهد
#السياسة_الدولية
#الشرق_الأوسط
#الأمن_الوطني
#الواقعية_السياسية

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا