حين أُجبرت واشنطن على الانحناء… إيران تفرض إرادتها وتسقط الهيبة الأمريكية والإسرائيلية

وداد علي سالم البيض  ….

 

لم تأتِ المفاوضات الإيرانية الأمريكية في باكستان في الوقت الحالي، أو اليوم، من فراغ كما يحاول البعض تصويرها، بل جاءت نتيجة حتمية لمسار طويل من الصمود والثبات والعزيمة والمقاومة. لم تكن هذه المفاوضات خيارًا إيرانيًا اضطراريًا، ولم تكن طهران هي من سعت إليها، بل الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن هذا المسار فُرض على الولايات المتحدة فرضًا، بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها، واضطرت للجلوس إلى طاولة التفاوض تحت ضغط الواقع.

صمود إيران وثباتها وعزيمتها ومقاومتها هي التي جعلت الأمريكي يخضع لهذه المفاوضات، وليس العكس. لم تكن إيران هي من طلبت هذه المفاوضات، بل أمريكا هي من طلبت هذه المفاوضات، وهي نفسها التي لوّحت وهددت: إما القبول بالمفاوضات أو ضرب البنية التحتية في إيران. لكن ما حدث أن إيران لم تخف من هذه التهديدات، ولم ترتبك، ولم تتراجع، بل واصلت طريقها بنفس العزيمة والمسار والمقاومة.

لم يكن الرد الإيراني كلامًا، بل فعلًا. استمرار إطلاق الصواريخ نحو القواعد الأمريكية ونحو الكيان الصهيوني لم يكن مجرد رد تكتيكي، بل كان إعلانًا واضحًا بأن إيران لا تُدار بالتهديدات، ولا تُكسر بالإملاءات. حتى اللحظة الأخيرة، وحتى قبيل بدء الهدنة، كانت الصواريخ الإيرانية تنطلق، في رسالة صريحة: المعركة لم تُحسم، والإرادة لم تُكسر.

وسط هذا التصعيد، تدخلت باكستان بشكل مباشر، ليس من باب الوساطة التقليدية فقط، بل نتيجة إدراك أن استمرار الحرب سيقود إلى انفجار أكبر. فجاء وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وبدأت المفاوضات بين الطرفين تمهيدًا لوقف الحرب بشكل نهائي. لكن الحقيقة الأعمق أن هذه الهدنة لم تكن نتيجة قوة أمريكية، بل نتيجة عجزها عن حسم المعركة.

وعند الحديث عن نتائج الحرب، تتضح الصورة أكثر. العدوان الأمريكي الإسرائيلي جاء بثلاث مراحل واضحة:
المرحلة الأولى: تغيير النظام.
المرحلة الثانية: القضاء على القوات الصاروخية الإيرانية.
المرحلة الثالثة: القضاء على الجيش الإيراني.

لكن ماذا تحقق من ذلك على أرض الواقع؟
لا شيء.

لم يسقط النظام، ولم تُدمر القوة الصاروخية، ولم يُقضَ على الجيش الإيراني. بل على العكس، شاهدنا الصواريخ الإيرانية تنطلق نحو الكيان الصهيوني، بل إلى قلب الكيان الصهيوني، ونحو القواعد الأمريكية، حتى آخر لحظة قبل بدء الهدنة. هذا ليس تحليلًا، بل واقع فرض نفسه على الجميع.

إيران اليوم هي من تفرض قواعد الاشتباك واقعياً على الأرض. لم تعد واشنطن هي التي تملي الشروط كما اعتادت، بل أصبحت مضطرة للتعامل مع معادلة جديدة لم تخترها، بل فُرضت عليها. في المقابل، سقط الوهم الأمريكي في الوحل، وانكشفت حقيقة القوة التي طالما رُوّج لها على أنها لا تُهزم.

ما حدث ليس مجرد تراجع أمريكي، بل هزيمة نكراء لا يستطيع أحد إنكارها. هذه الهزيمة لم تكن بحسبان الأمريكيين، الذين دخلوا المعركة بعقلية استعراض القوة، لكنهم خرجوا منها بنتيجة مختلفة تمامًا: الفشل. لقد أرادت أمريكا أن تستعرض عضلاتها، لكنها باعت هذا الاستعراض بالفشل، بينما انتصرت إيران بإرادتها وقيادتها وثباتها.

واليوم، إيران هي من تدير المفاوضات كما تشاء، وليس كما تشاء أمريكا. هذه الحقيقة قد تكون صادمة للبعض، لكنها واضحة في مسار الأحداث. فالمفاوضات لم تعد أداة ضغط أمريكية، بل تحولت إلى ساحة تتحرك فيها طهران وفق مصالحها، بعد أن فرضت توازنًا جديدًا بالقوة.

صحيح أن الحرب بدأت من واشنطن وإسرائيل على إيران، لكن الأهم أن وقفها لم يكن بيد واشنطن ولا تل أبيب. لم تستطع أمريكا أن توقف الحرب من عاصمتها، ولم تستطع إسرائيل أن تفرض نهايتها، بل إيران هي من عملت على وقفها، ووفق شروطها، ووفق ما فرضته على الأرض.

هذه هي الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها:
إيران لم تُهزم… بل انتصرت.
وأمريكا وإسرائيل لم تنتصرا… بل تراجعتا تحت ضغط الواقع.

في النهاية، لا تُقاس الحروب بالتصريحات، بل بالنتائج. والنتيجة اليوم واضحة أمام الجميع: إرادة صمدت ففرضت نفسها، وقوة ادّعت الهيمنة فسقطت في أول اختبار حقيقي.

هذه ليست رواية منحازة… بل مشهد يعكس كيف تتغير موازين القوة عندما تصمد الإرادة، وكيف يمكن لدولة أن تفرض شروطها، ليس بالكلام، بل بالفعل.

بقلم وداد البيض

الكاتبة من اليمن

قد يعجبك ايضا