سياسة التعليم في فلسطين بين المزاجية والتخبط

بقلم د. تيسير فتوح حجة ….

الأمين العام لحركة عدالة
لم يعد التعليم في فلسطين مجرد قطاع خدمي يُعنى ببناء المعرفة، بل تحوّل إلى ساحة تعكس حالة الارتباك العام في إدارة الشأن العام، حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية الواضحة، وتحضر القرارات المزاجية التي تُتخذ أحيانًا كردّات فعل لا أكثر.
إن المتتبع لسياسات التعليم خلال السنوات الأخيرة يلحظ حجم التناقض بين الشعارات المرفوعة والواقع المعيش. فبينما يُرفع شعار “التعليم أولوية وطنية”، نجد أن المعلم يُهمّش، والمناهج تتغير دون دراسة عميقة، والطالب يُترك في مواجهة نظام تعليمي غير مستقر، يفتقر إلى الثبات والاستمرارية.
المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في ضعف الإمكانيات، رغم أهميتها، بل في غياب التخطيط طويل الأمد. فكل وزير يأتي برؤية مختلفة، وكل إدارة تحاول إعادة اختراع العجلة، ما يؤدي إلى حالة من التراكم السلبي بدل البناء التراكمي. وهذا التخبط ينعكس بشكل مباشر على جودة التعليم ومخرجاته، حيث أصبح الطالب الفلسطيني يعاني من فجوة بين ما يتعلمه وما يحتاجه فعليًا في سوق العمل.
أما المعلم، وهو حجر الأساس في العملية التعليمية، فقد أصبح ضحية سياسات غير عادلة، تتراوح بين ضعف الرواتب وعدم الاستقرار الوظيفي، إلى غياب التقدير الحقيقي لدوره. كيف يمكن بناء جيل واعٍ ومتعلم في ظل معلم مُرهق نفسيًا واقتصاديًا؟
وفي جانب آخر، فإن المناهج التعليمية تشهد تغييرات متسارعة، أحيانًا دون إشراك حقيقي للخبراء أو الميدان التربوي، ما يجعلها عرضة للانتقاد وعدم القبول. التعليم ليس حقل تجارب، بل مشروع وطني يحتاج إلى توافق واستقرار.
إن حركة عدالة ترى أن إصلاح التعليم يبدأ من إعادة الاعتبار له كقضية سيادية، لا تخضع للمزاجية أو التجاذبات السياسية. ويتطلب ذلك:
وضع استراتيجية وطنية شاملة للتعليم تمتد لسنوات، بعيدة عن التغيير الحكومي السريع.
تحسين أوضاع المعلمين ماديًا ومعنويًا، باعتبارهم عماد النهضة.
إشراك الكفاءات التربوية الحقيقية في صياغة المناهج والسياسات.
ربط التعليم بسوق العمل، لتعزيز الإنتاجية وتقليل البطالة.
تعزيز قيم الانتماء الوطني والوعي المجتمعي داخل المنظومة التعليمية.
إن استمرار النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع، وسيُنتج أجيالًا تفتقر إلى الأدوات الحقيقية لمواجهة تحديات المستقبل. التعليم ليس رفاهية، بل هو خط الدفاع الأول عن بقاء وهوية هذا الشعب.
وفي الختام، فإن إصلاح التعليم في فلسطين لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية عاجلة، تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشراكة مجتمعية واسعة، للخروج من دائرة المزاجية والتخبط، نحو بناء نظام تعليمي راسخ، يليق بتضحيات شعبنا وآمال أجياله القادمة.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا