التحليل الرغائبي ..

مجدي الحوراني  ……

 

هو الاعتقاد المبني على الأماني، الذي يؤسِّسُه الفرد على أمنيات وأوهام او مصالح شخصية بحتة بمعزل عن الحقيقة وأدلتها العقلانية والعلمية، هذا النوع من التحليل يؤدي بالضرورة إلى انتاج اتجاه فكري خاطئ ومنحرف، فهو بهذا الوصف عبارة عن انحياز معرفي يميل معه صاحب هذا المُعتقد الى حد تصديق ما يرغب ويتمنَّى حدوثه كأنه واقع ملموس، وفي سبيل ذلك يقوم بإفراغ ما في ذهنه وخلق نوع من تفسير منافي لحقيقة الأمور ومن ثم يقوم بتحليل المشهد ويُقنع نفسه أنه على صواب بذلك الاستنتاج، وبهذا المضمون يُصنّفه العقلاء بأنه تحليل مُصاب بالعُوار والوهن ومُعتل بالضعف والمرض، فتُعد الرغائبية بهذا الشكل صورة من صور تقييم المخاطر بطريقة غير منطقية للأحداث الجارية، وذلك بتضخيم مؤشر إيجابي بعيد وإغفال جوانب سلبية قريبة الاحتمال، لهذا يوصف التحليل الرغائبي عند المشتغلين بالسياسية بحالة التفكير بالتَّمني.

ما يُميز التحليل الرغائبي او التفكير بالتمني هو غياب كامل للموضوعية لتجاهله المعطيات الحقيقية وبالتفاؤل المفرط لآمال عاطفية، لا يخلو هذا التحليل من خداع النفس ابتداء كحالة من حالات الدفاعات النفسية ومن ثم محاولة إيهام الغير بتلك الأفكار على اعتبار أنها من المسلمات، كما ويُنظر اليه بانه حالة هروب من الواقع او خوفاً مما قد يتعرض له -هذا المُحلل- من صدمة عاطفية قد تصيب أمانيه عندما يفرض الواقع جوهر الإشكالية الحقيقية التي حاول الهروب منها.

يكمن الخطر الحقيقي لهكذا تحليل فيما إذا تبنته سياسية عامة على اعتبار انه تحليل مسلم به كنظرية قابلة للتطبيق، فقد تتغلغل تلك الفرضيات الوهمية في العقل الجمعي للمجتمعات الصادرة من الأفراد الذين لهم تأثير في وسطهم كمرجعيات دينية أو من المعروفين بالتنظير، ما يقود هذا النوع من أنواع التحليل الى استخدامه كأداة لإيهام المجموعات في بناء استراتيجيات عامة او خاصة تكون لها مآلات في منتهى الخطورة لاستنادها على فرضيات ارضيتها هُلامية.

ان من أسباب انتشار هذا النوع من التحليل كما بينته بعض الآراء يعود إلى الشعور بالإحباط المجتمعي او حالة من العجز على الصعيد الشخصي أو لحالة من مظلومية افتراضية، أو في اتباع بعض المعتقدات الفكرية الغير قويمة فيها من السذاجة ما يكفي لانقضائها مع الوقت -تدمير ذاتي- التي قوامها أوهام تقفز بالهواء بغير انضباط، او لتناقضها مع سنن الكون على حساب الحقيقة لما يعتريها من خلل لكنها قد تتهيئي لصاحب هذا التحليل صدقها مع انها بعيدة المنال، وترجع بعض الآراء بأن المُحلل المُتمني ما هو إلا عبارة عن حالة مرضية لانفصاله عن بيئته او رفضه لها، لهذا فيلجئ الى خيال واسع خصب مليء بالأماني والأحلام.

نحن بحاجة الى إعادة تقييم أفكارنا بحثاً عن أصدقها حتى نصيب الحق والحقيقة، فمن يدري فقد يكون أياً منا مصاباً بداء التحليل الرغائبي، مجرد رأي ..

مجدي الحوراني

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا