خطابُ التلبيسِ والتحريف: محاولةٌ فاشلةٌ لطمسِ انتصارِ المقاومة.

عدنان عبدالله الجنيد  …..

 

رد على مقال ناجي أمهز المعنون اين انتصر حزب الله؟
هذا النصّ ليس انطباعًا ولا سجالًا لغويًا، بل تفكيكٌ استراتيجيٌّ شامل لخطابٍ حاول—عن وعيٍ أو عن عجز—أن يفرّغ انتصار حرب 2026 من مضمونه العسكري والمالي والسياسي، ويحصره في توصيفٍ سوسيولوجيٍّ آمن.
والمقصود هنا مقال ناجي أمهز الذي قال ضمنًا: لم ينتصر حزب الله عسكريًا، بل اجتماعيًا فقط.
وهذا—بالمقاييس العلمية للحروب—تحريفٌ للكَلِم عن مواضعه.
أولًا: خطأ المنطلق… حين يُقاس النصر بالركام لا بانهيار المنظومات
يبدأ التلبيس من اعتماد القدرة التدميرية معيارًا وحيدًا للنصر، وكأن الحروب تُحسَم بكمّ الخراب لا بنتائج الصراع على الإرادة والاقتصاد والهيمنة.
العدو قادر على التدمير منذ 1948؛ السؤال الجوهري هو: هل فرض أهدافه؟
الجواب بالأرقام والوقائع: لا.
ثانيًا: تقرير الانكسار المادي… حين تتكلم الأرقام ويصمت التهوين
خلال 10 أيام فقط من ذروة المواجهة في حرب 2026،(كيف خلال اربعين يوم )،تكبّد محور العدوان (أمريكا + الكيان الصهيوني) 15.843 مليار دولار خسائر مباشرة—وفق تقارير مؤسساتية (Pentagon، CENTCOM، Reuters، Bloomberg، IISS، OSINT).
النزيف الصهيوني (6.227 مليار دولار):
شلل الطاقة: توقّف ليفياثان وتمار ومصفاة حيفا → 950 مليون دولار.
انهيار الدفاع الجوي: تدمير 10 منظومات → 525 مليون دولار.
ضرب العمق: تضرر 9 أهداف عسكرية و47 منشأة مدنية ومينائية → 280 مليون دولار.
الجبهة الداخلية: 1,619 جريحًا، نزوح >2,300 مستوطن، شلل أسبوعي 4.3 مليار دولار.
هذه ليست «صورة معنوية»، بل انهيار وظيفة الدولة الأمنية.
النزيف الأمريكي (9.616 مليار دولار):
محرقة الجو: إسقاط 146 مسيّرة (منها 17 MQ-9 Reaper) وإسقاط 17 طائرة/مروحية مأهولة (F-15/F-16).
شلل القيادة الجوية: تدمير طائرات التزويد (KC-135) والإنذار المبكر (E-3 AWACS).
نزيف البحار: تشغيل أساطيل دفاعية بكلفة 30 مليون دولار يوميًا.
ارتدادات داخلية: قفزة الشحن والتأمين 150% وارتباك اقتصادي.
ليست «كلفة مشاركة»، بل فاتورة فشل استراتيجي.
ثالثًا: نزيفُ الكيان: حين تتحوّل الحروبُ إلى فواتيرَ إفلاس:
تشيرُ التقديراتُ حتى أوائل أبريل/نيسان 2026 إلى أنّ الكيانَ الصهيونيّ تكبّد خسائرَ اقتصاديةً وعسكريةً فادحة بفعلِ حربٍ متعدّدةِ الجبهات، تجاوزت كلفتُها المباشرةُ وغيرُ المباشرة عشراتِ المليارات من الدولارات. فقد قدّرت صحيفة كالكاليست كلفةَ الحرب بنحو 15 مليار دولار خلال 38 يومًا فقط، مع خسائر أسبوعية تقارب 20 مليار شيكل، وتوقّعات بتجاوز 100 مليار شيكل إذا استمرّت المواجهة. كما أقرّ بنك إسرائيل بأنّ الخسائر التراكمية منذ أكتوبر 2023 حتى نهاية 2025 تخطّت 169 مليار دولار، إضافةً إلى تعويضاتٍ مدنيةٍ تُقدَّر بـ12–13 مليار شيكل. عسكريًّا، طلبت وزارةُ الدفاع أكثر من 12 مليار دولار إضافية لتغطية نفقات القتال، فيما تضرّرت الجبهةُ الداخلية مع نزوح أكثر من 3800 مستوطن، وتعرّض أكثر من ألف موقع للقصف، فضلًا عن شللٍ واسعٍ في الصادرات، وتفاقم الخسائر مع اضطراب الملاحة في باب المندب. خلاصةُ المشهد: حربُ استنزافٍ لا تُنتج نصرًا، بل تُراكِمُ الإفلاس.
رابعًا: محرقة البر… من بنت جبيل إلى مقبرة الميركافا:
تدمير 73 دبابة ميركافا خلال شهر ( 21 دبابة في يوم واحد ).
عجز عن تثبيت صورة نصر واحدة واللجوء إلى فبركات.
هذا فشل بري مطلق لا تعادل.
خامسًا: الزلزال السياسي… حين يتفكك السيستم
إقالات داخل الإدارة الأمريكية، إزاحة رئيس الأركان، انقسام البيت الأبيض/البنتاغون، وفقدان الثقة بالقيادة.
النصر الحقيقي يُقاس بما يحدث في غرف القرار لا فقط في الميدان.
سادسًا: نعم… البيئة انتصرت، لكن هذا ليس كل شيء
أصاب أمهز جزئيًا في توصيف الالتحام العضوي بين البيئة والمقاومة.
الخطأ القاتل: تقديم الالتحام بديلًا عن النصر العسكري لا نتيجةً له.
الحقيقة المعكوسة:
لو لم تُهزم المنظومة العسكرية والاقتصادية للعدو
لما التفّت البيئة
ولما طُلبت الهدنة
ولما رُفعت العقوبات
ولما فُرضت معادلات السيادة
البيئة تلتف حول المنتصر، لا حول الخاسر.
الخلاصة الحاسمة:
النصر في حرب 2026 كان:
عسكريًا: بسقوط التفوق الجوي والبري والبحري.
ماليًا: بحرق عشرات المليارات خلال أيام.
سياسيًا: بتفكك القرار الغربي وطلب الهدنة.
استراتيجيًا: بانكسار إرادة القتال.
اجتماعيًا: كنتيجة طبيعية، لا كتعويض.
أما اختزال هذا كلّه في انتصار وجداني فليس قراءةً، بل تلبيسٌ للحق بالباطل وتحريفٌ للكَلِم عن مواضعه.
﴿يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
آل عمران: 70
والتاريخ—حين تُكتب صفحاته بالأرقام لا بالانطباعات—لا يرحم الملبِّسين ولا يعذر المهوِّنين.
الكاتب والباحث السياسي
عدنان عبدالله الجنيد- الأمين العام لملتقى كتاب العرب والأحرار
عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا