أربع مناسبات في نيسان… مرت باهتة

بقلم د. تيسير فتوح حجة  …..

 

الأمين العام لحركة عدالة

يمرّ شهر نيسان من كل عام حاملاً معه محطاتٍ وطنية ثقيلة بالمعاني، عميقة في الوجدان الفلسطيني، لكنها هذا العام مرّت باهتة، كأنها مناسبات عابرة لا تستدعي التوقف ولا تستحق الاستحضار. أربعة عناوين كان يجب أن تُشعل الذاكرة والضمير: يوم الأسير الفلسطيني، ذكرى استشهاد القائد خليل الوزير مهندس الانتفاضة الأولى، استشهاد القائد عبد العزيز الرنتيسي، واستمرار أسر القائد مروان البرغوثي… لكنها مرّت كأنها بلا جمهور.

يوم الأسير الفلسطيني لم يعد كما كان؛ لم نرَ تلك الحشود، ولا ذاك الغضب الشعبي الذي كان يملأ الشوارع. تحوّل إلى فعالية بروتوكولية، كلمات وخطابات، وصور تُنشر على عجل، ثم تُطوى الصفحة. وكأن آلاف الأسرى لم يعودوا جزءًا من وجدان هذا الشعب، أو كأن الألم أصبح عادياً لا يستدعي الانفجار.

أما ذكرى استشهاد أبو جهاد، الرجل الذي شكّل عنوانًا للعمل الوطني المنظم، وصاغ معالم الانتفاضة الأولى، فقد مرّت دون استحضار حقيقي لدوره، أو مراجعة لتجربته. لم تُطرح الأسئلة: ماذا تبقى من مشروعه؟ وأين ذهبت بوصلته؟ بل اكتفينا بصور أرشيفية وكلمات مكررة لا تُنتج وعياً ولا تُحرّك فعلاً.

وفي ذكرى استشهاد الرنتيسي، القائد الذي مثّل نهج التحدي والصمود، لم نشهد استدعاءً حقيقياً لمعنى المقاومة في بعدها الوطني الجامع، بل بقيت المناسبة أسيرة الانقسام، محصورة في إطار حزبي ضيق، تُستخدم لتعزيز سرديات منفصلة بدل أن تكون جسراً للوحدة.

أما مروان البرغوثي، الأسير الذي تحوّل إلى رمز وطني جامع، فما زال خلف القضبان، بينما قضيته تتراجع في الخطاب العام، وتُستخدم أحياناً كورقة سياسية أكثر من كونها قضية تحرر. غاب الحضور الشعبي الضاغط، وغابت المبادرات الجدية التي تُعيد قضيته إلى مركز الاهتمام.

إن مرور هذه المناسبات بهذا الشكل الباهت ليس صدفة، بل هو انعكاس مباشر لحالة التآكل التي تعيشها الحالة الوطنية الفلسطينية. الانقسام السياسي، وتراجع دور الفصائل، وانشغال القيادات بصراعاتها الداخلية، كل ذلك ساهم في تفريغ هذه المناسبات من مضمونها النضالي.

من منظور حركة عدالة، فإن إعادة الاعتبار لهذه المحطات لا يكون عبر الخطابات، بل من خلال استعادة الفعل الوطني الحقيقي: توحيد الصف، إعادة بناء الثقة مع الجماهير، وربط الرمزية بالفعل. فالأمم التي تفقد ذاكرتها، تفقد قدرتها على الفعل، والشعوب التي تُهمّش رموزها، تُهمّش نفسها.

نيسان ليس شهراً عادياً في الذاكرة الفلسطينية، لكنه هذا العام كان مرآة لواقع مأزوم. والسؤال الذي يجب أن يُطرح: هل نحن أمام غياب مؤقت للوعي، أم أمام تحوّل عميق في الوجدان الوطني؟

الإجابة لا تحتاج إلى خطاب… بل إلى فعل.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا