حين يتحول التحديث إلى عبء من الإصلاح إلى الإرباك: ما بين التحديث وفقدان الجوهر
بقلم: ليث المجالي …..
في خضم الحديث المتسارع عن التحديث والتطوير في مؤسسات الدولة، يبرز تساؤل مشروع لا يمكن تجاهله:
هل نحن أمام تحديث حقيقي يعزز كفاءة المؤسسات، أم أمام مسار متسارع يُعيد تشكيلها على حساب جوهرها؟
التحديث، في جوهره، ليس تعديلاً شكلياً في الأنظمة، ولا سباقاً في إصدار القرارات، بل هو عملية عميقة تُقاس بنتائجها على الأرض. وحين يغيب هذا المعيار، تتحول المؤسسات إلى ساحات تجريب، وتصبح القرارات المتلاحقة عبئاً بدلاً من أن تكون أدوات إصلاح.
في قطاع التعليم، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح. فبدلاً من ترسيخ الاستقرار في السياسات التعليمية، شهدنا تعقيداً متزايداً في آليات التقييم، خصوصاً في مسار التوجيهي، حتى بات فهم النظام بحد ذاته تحدياً يفوق أحياناً جوهر العملية التعليمية. والنتيجة لم تكن تطويراً في المخرجات، بل إرباكاً عاماً، وتراجعاً في الثقة، وتحول التركيز من التعلم إلى ملاحقة التعليمات.
أما في القطاع الزراعي، فإن اهتزاز البوصلة الاستراتيجية يشكل خطراً أكبر. فالأمن الغذائي ليس ملفاً إدارياً قابلاً للتجريب، بل ركيزة سيادية لا تحتمل التردد أو الارتباك. وعندما تتراجع الأولويات الإنتاجية لصالح الإجراءات الشكلية، فإننا لا نفقد قطاعاً فقط، بل نضعف أحد أعمدة الاستقرار الوطني.
الأخطر من ذلك، هو التحول الصامت في دور بعض الوزارات الخدمية، من مؤسسات تُعنى بتقديم الخدمة، إلى جهات تركّز على تعظيم الإيرادات. هذا التحول، وإن بدا مبرراً تحت ضغوط اقتصادية، إلا أنه يُحدث خللاً عميقاً في العلاقة بين الدولة والمواطن، ويضعف الثقة التي تُعد أساس أي منظومة ناجحة.
المشكلة ليست في التحديث، بل في غياب الرؤية التي تضبطه. فالتطوير الذي لا يستند إلى وضوح في الهدف، ولا يُقاس بأثره الحقيقي، ولا يُبنى على استقرار السياسات، يتحول تدريجياً إلى عملية تفكيك ناعم للمؤسسات.
إن الدول لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على بناء منظومات مستقرة، واضحة، وقابلة للفهم والتطبيق. فالتحديث الحقيقي هو الذي يُبسط، لا يُعقّد، ويُعزّز الثقة، لا يُربكها، ويُحسّن النتائج، لا يُبرر تراجعها.
وفي ظل التحديات التي تمر بها المنطقة، لم يعد مقبولاً أن يبقى التحديث عنواناً فضفاضاً يُخفي خلفه ارتباك السياسات. بل المطلوب اليوم هو مراجعة جادة تعيد الاعتبار لجوهر العمل المؤسسي، وتضع التحديث في مكانه الصحيح: كأداة بناء، لا كمسار هدم.
الكاتب من الأردن