الصمود الفلسطيني بين الميدان والفكر والإعلام: معركة وعي لا تنكسر
بقلم: نجيب الكمالي ……
كل يوم وأنا أتلقى عبر السوشيال ميديا مقالات الكتاب والإعلاميين الفلسطينيين، لا أملك إلا أن أتعجب وأندهش من هذه العزيمة الفولاذية وهذا الإصرار الذي لا يلين. كان آخر ما قرأته للزميل عمران الخطيب قد عمق لدي القناعة بأن قضية فلسطين لا تملك بعدا سياسيا فقط، بل تمتلك قوة معنوية وفكرية وإعلامية متجددة، يصنعها الصحفيون والكتاب كجبهة وعي متواصلة لا تتوقف.
في مقاله اليوم الذي استحوذ على تفكيري وجعلني أشعر أن الصمود في الميدان لا يقل عن الصمود في الوعي، بعنوان “نتنياهو وترامب شريكان في الإبادة الجماعية بقطاع غزة ولبنان وفشل مخطط إسقاط النظام الإيراني”، يطرح عمران الخطيب قراءة تعتبر أن ما يجري في غزة ليس حربا عابرة، بل مشروع ممتد لإعادة تشكيل الواقع بالقوة.
وفي امتداد هذا الطرح، يظهر الصمود الفلسطيني كحالة شاملة لا تقتصر على الميدان، بل تشمل الصمود الشعبي والفكري والإعلامي. وهذا الصمود يتجلى في كتابات متعددة لأقلام فلسطينية عديدة، من بينها مصطفى البرغوثي وفادي البرغوثي وغسان جابر، إلى جانب المئات من الكتاب والصحفيين والإعلاميين الذين لم يتوقفوا لحظة عن إنتاج الوعي رغم القصف والحصار.
ولا يقف الأمر عند حدود الوطن الجغرافي، بل يمتد ليشمل حتى أولئك الذين غادروا فلسطين بأجسادهم. تجدهم في الخارج، لكن قلوبهم ووعيهم ما زال هناك، في الداخل. إنهم جسد في المنفى وروح في الأرض، لا تنقطع كتاباتهم ولا تخفت أصواتهم وكأنهم لم يغادروا لحظة واحدة.
ولعل ما يؤكد ذلك مشاهد جديدة ومثيرة: شباب في غزة أنشأوا منصة رقمية سرية لحفظ آلاف الصور والفيديوهات من هواتف الشهداء، ليكون أرشيفا فلسطينيا مستقلا من الداخل. وفي الضفة، أطلق كتاب شباب سلسلة قصص قصيرة بعنوان “رصاصة وكلمة” توزع ورقيا وترجمت إلى 8 لغات. كما طور مبرمجون فلسطينيون نموذج ذكاء اصطناعي يكشف تناقضات الرواية العسكرية الإسرائيلية، وقد استخدم كأداة قانونية في محكمة العدل الدولية.
هذه الكتابات والمبادرات اليومية لا تتوقف عند حدود التوصيف، بل تعيد إنتاج الوعي وتثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة التشويه والتغييب، لتؤكد أن الصراع لا يدور في الميدان وحده، بل أيضا في فضاء الوعي والإعلام، وأن الكلمة أصبحت جزءا من معركة الصمود لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال المواجهة.
وما يزيد الأمر دهشة وإعجابا، أنهم يواصلون هذا العطاء الفكري والإعلامي وكأنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتحملون أي مسؤولية غير الدفاع عن قضيتهم، جردوا من كل احتياجات البشر العادية، فلم يبق في قلوبهم متسع إلا لهذه الأرض وهذه القضية. إنهم يعرفون أن السلاح قد يدمر الحجر والشجر والجسد، لكنه لا يستطيع قتل الكلمة التي تنطلق من تحت الأنقاض.
وهكذا تتضح الصورة: القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل حالة مستمرة من الصمود المركب، يجمع بين الفعل على الأرض والكلمة في الوعي، وبين المعاناة وإنتاج المعنى، لتبقى حية ومتجددة رغم كل محاولات الطمس والتشويه.
الكاتب من اليمن