حين تصبح المقولة مادية… ويبقى الإنسان أكثر رحمة
بقلم: د. منى النحلاوي. …..
“فاقد الشيء لا يعطيه”.. مقولة تتردد منذ الأزل، تناقلتها الأجيال وحفظها التراث، حتى حُفرت عميقاً في عقلنا الباطن وصارت تُردد كقاعدة مُسلَّم بها. ولكن، هل هذه المقولة حقيقية ومطلقة؟ وهل نسمح لأنفسنا بأن نفكر، ولو قليلاً، في أن هذه المقولة ليست قاعدة عامة، بل هي مشروطة بطبيعة ما نفقده؟
إن هذه العبارة التي شبعنا من سماعها وقولها، تملّكت الإنسان حتى أصبحت حاضرة على لسانه، وعجز معها عقله أحياناً عن التفكيك، حاصرةً إياه في دوامة من التفكير الجاهز. والحقيقة أن المقولة تصلح تماماً في الأمور المادية الملموسة؛ فمن لا يملك المال لا يستطيع التبرع به، ومن لا يملك علماً أو معرفة في تخصص معين لا يمكنه تدريس المهارات المكتسبة فيه، إذ لا يمكن للإنسان أن يُعلِّم غيره حرفة أو لغة جديدة وهو يجهلها. من هنا نرى أن المقولة في أصلها مادية بحتة، جافة وخالية من العواطف.
لكن المشهد ينعكس تماماً عندما ننتقل إلى عالم المشاعر الإنسانية والبُعد النفسي. فقد أثبت الواقع أن فاقد الشيء عاطفياً هو، في كثير من الأحيان، أكثر الناس سخاءً في منحه، وأحنّ من يعطي. ولهذا السخاء دوافعه وأسبابه العميقة؛ فالمحروم هو الأكثر إدراكاً لقيمة الشيء المفقود ولمرارة غيابه، وهذا الإدراك بالذات هو ما يدفعه لمنحه للآخرين بكثرة، حمايةً لهم من تذوق المرارة ذاتها التي تجرّعها يوماً.
إنها عملية “تعويض عاطفي”؛ محاولة واعية لترميم النقص الذي عاشه الشخص في طفولته وماضيه. فكل ما فقده الإنسان في مسيرته، يحاول تعويضه بأشكال مختلفة، فيمنح الحب والاهتمام بالطريقة ذاتها التي كان يحلم أن يتلقاها يوماً ولم يجدها.
ولكي ينجح فاقد الشيء في عطائه هذا، فلا بد أن ينبع عطاؤه من وعي ذاتي ونضج نفسي. يجب أن يكون الشخص مدركاً لحجم حرمانه وتجاربه السلبية، لكي يستثمرها إيجابياً لصالح من يحب، ويميز الحد الفاصل بين العطاء المتوازن والسقوط في فخاخ التطرف العاطفي، كالتدليل المبالغ فيه تعويضاً عن القسوة الماضية. فالعطاء الحقيقي هنا هو قرار نابع من أشخاص تصالحوا مع ندوبهم، وجعلوا منها جسوراً للعبور نحو الآخرين.
في النهاية، قد تكون مقولة “فاقد الشيء لا يعطيه” أداة يستسهل البعض استخدامها لتبرير عجزهم العاطفي أو الهروب من مسؤولية المبادرة، لكن الواقع الإنساني يزخر بأناس فقدوا أشياء كبيرة، ولم يتلقوا في حياتهم حباً ولا اهتماماً، ورغم ذلك تحولوا إلى منابع لا تنضب من الرحمة والعطاء النفسي المتوازن؛ فقط لأنهم أدركوا، وبأدق تفصيل ممكن، مدى الألم الكامن في غياب الأشياء.
ويبقى السؤال المفتوح لك عزيزي القارئ:
هل ما زلت تؤمن بأن فاقد الشيء لا يعطيه، أم أن الإنسان قد يكون أحياناً أكثر رحمة من كل ما فقده؟
باحثة في القضايا الاجتماعية
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية